هذا واللّه الحسين وأهل بيته وصحبه .
فرجعن إلى رجالهنّ صارخات ، وقلن لهم : يا بني أسد ! أنتم جلوس في بيوتكم وهذا الحسين ، وأهل بيته ، وأصحابه مجزّرون كالأضاحي على الرّمال ، تسفي عليهم الرّياح ، فبماذا تعتذرون من رسول اللّه وأمير المؤمنين وفاطمة الزّهراء إذا وردتم عليهم ، حيث أنّكم لم تنصروا أولادهم ولا دافعتم عنهم بضربة سيف ولا بطعنة رمح ، ولا بجذبة سهم .
فقالوا : إنّا نخاف من بني أميّة . فقلن لهم : إن فاتكم نصرة تلك العصابة ، فقوموا الآن إلى مواراة أجسادهم ، فإن لم تدفنوها نتولّى دفنها بأنفسنا .
فجاء الرّجال إلى المعركة - وقد وضعوا لهم عينا ينظر إلى طريق الكوفة - . فصارت همّتهم أوّلا مواراة جثّة الحسين عليه السّلام ، فجاؤوا إلى الجسد الطّاهر ، وقد عرفوه بملامح الإمامة ، وأنوار النّبوّة ، وصار لهم حوله بكاء وعويل ، وحاولوا تحريك عضو من أعضائه ، فلم يتمكّنوا .
فقال كبيرهم - وقد أقرّوا رأيه - : نجتهد أوّلا في دفن أهل بيته وأصحابه ، وبعد ذلك نرى رأينا فيه . فقال أحدهم : كيف يكون دفنكم له وما فيكم من يعرف من هذا ، ومن هذا ، وهم - كما ترون - جثث بلا رؤوس ، قد غيّرت معالمهم الشّمس والتّراب . فلربّما نسأل عنهم فما الجواب ؟ .
فبينما هم كذلك إذا بفارس قد طلع عليهم من جانب الكوفة وقد ضيّق لثامه . فلمّا رأوه انكشفوا عن الجثث الزّواكي . فأقبل الفارس ، ونزل عن ظهر جواده ، وجعل يتخطّى القتلى واحدا بعد واحد - هو منحني الظّهر - حتّى إذا وقع نظره على جسد الحسين عليه السّلام رمى بنفسه عليه ، واحتضنه ، وجعل يشمّه تارة ، ويقبّله أخرى ، وهو يبكي وقد بلّ لثامه من دموع عينيه ، وهو يقول : « يا أبتاه بقتلك قرّت عيون الشّامتين ، يا أبتاه بقتلك فرحت بنو أميّة ، يا أبتاه بعدك طال حزننا ، يا أبتاه بعدك طال كربنا » .
ثمّ التفت إلى بني أسد ، وقال لهم : لم كان وقوفكم حول هذه الجثث ؟
قالوا : أتينا لنتفرّج عليها . قال : ما كان هذا قصدكم .
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 489
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٤٨٩