بجسده ، وله همهمة ، وصياح فأدهشه الحال إذ لم يعهد مثل هذا الحيوان المفترس ، يترك ما هو طعمة أمثاله ، فاختفى في بعض الاكم لينظر ما يصنع فلم يظهر له غير ذلك الحال .
وممّا زاد في تحيّره وتعجّبه أنّه عند انتصاف اللّيل رأى شموعا مسرّجة ملأت الأرض وبكاءا وعويلا مفجعا .
وفي اليوم الثالث عشر من المحرّم ، أقبل زين العابدين لدفن أبيه الشّهيد عليه السّلام ، لأنّ الإمام لا يلي أمره إلّا إمام مثله .
يشهد له مناظرة الرّضا مع عليّ بن أبي حمزة ، فإنّ أبا الحسن عليه السّلام ، قال له : أخبرني عن الحسين بن عليّ ، كان إماما ؟ قال : بلى . فقال الرّضا : فمن وليّ أمره ؟ قال ابن أبي حمزة : تولّاه عليّ بن الحسين السّجاد . فقال الرّضا : فأين كان عليّ بن الحسين ؟ قال ابن أبي حمزة : كان محبوسا بالكوفة عند ابن زياد ، ولكنّه خرج ، وهم لا يعلمون به حتّى ولي أمر أبيه ثمّ انصرف إلى السّجن . فقال الرّضا : إنّ من مكّن عليّ بن الحسين أن يأتي كربلاء ، فيلي أمر أبيه ، ثمّ ينصرف يمكن صاحب هذا الأمر ، أن يأتي بغداد ، فيلي أمر أبيه وليس هو في حبس ولا إسار .
ولمّا أقبل السّجاد عليه السّلام وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى متحيّرين لا يدرون ما يصنعون ، ولم يهتدوا إلى معرفتهم ، وقد فرق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم ، وربّما يسألون من أهلهم وعشيرتهم .
فأخبرهم عليه السّلام عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطّاهرة ، وأوقفهم على أسمائهم كما عرفهم بالهاشمييّن من الأصحاب ، فارتفع البكاء والعويل ، وسالت الدّموع منهم كلّ مسيل ، ونشرت الأسديّات الشّعور ولطمن الخدود .
ثمّ مشى الإمام زين العابدين إلى جسد أبيه ، واعتنقه ، وبكى بكاء عاليّا ، وأتى إلى موضع القبر ، ورفع قليلا من التّراب ، فبان قبر محفور ، وضريح مشقوق ، فبسط كفّيه تحت ظهره ، وقال « بسم اللّه وفي سبيل اللّه وعلى ملّة رسول اللّه ، صدق اللّه ورسوله ما شاء اللّه ، لا حول ولا قوّة إلّا باللّه العظيم » .
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 486
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٤٨٦