قال الرّاوي : ثمّ إنّها لثمته لثمات متتابعة ، ثمّ أجلسته ، ورفعته في حضنها ، وجعلت فمها على نحره الشّريف ، ونادت : يا أخي لو أنّي خيّرت بين المقام عندك ، وإنّ السّباع تأكل من لحمي وبين الرّواح عنك ، لتخيّرت المقام معك ، فها أنا راحلة عنك غير جافية لك ، وهذه نياق الرّحيل تتجاذب بنا على المسير ، قد أتونا بها مهزولة ، لا محامل ولا هي مرحولة ، وناقتي يا أخي ! مع هزلها صعبة الانقياد ، فلا أدري أين يريدون بنا أهل العناد ، فأقرأ جدّي رسول اللّه ، وجدّي عليّ المرتضى ، وأمّي الزّهراء عنّي [ السلام ] ، وقل لهم :
أختي شاكية إليكم حالها ، وقد خرّموا اذنيها ، وفصلوا خلخالها .
ثمّ أنّها وضعت فمها على شفتيه « 1 » ، [ و ] قبّلت خدّيه ، فأتاها السّائق اللّعين ، فجذبها عنه ، وأركبها قهرا ، فلمّا ركبت النّاقة التفتت إلى أبيها ، [ و ] قالت : يا أبي ودّعتك اللّه السّميع العليم ، وأقرؤك السّلام ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم [ . . . ] .
فهذه هي زينب بنت أمير المؤمنين . وهي أمّ المصائب ، وكيف تماثلها امرأة ذات مصيبة ، فإنّ صفيّة [ عمّة النّبيّ صلّى اللّه عليه واله ] لمّا مرّت على مصرع أخيها ورأت النّبيّ عند رأسه ، وأمير المؤمنين عليه السّلام عند رجليه قوى حزمها ، واستقرّ فؤادها ، وأمّا زينب فإنّها لمّا مرّت على مصرع أخيها ووقفت عليه ، وليس معها من حماتها وكفاتها وكهولها وشبّانها من يعزّيها ، سقطت لحينها على جسد أخيها ، وجعلت تتمرّغ بدمائه وصاحت ، وهتفت بجدّها وأبيها وإخوتها وأعمامها ، فنادت : وا أخاه ! وا سيّداه ! وا أهل بيتاه ! وا محمّداه ! وا عليّاه ! وا فاطماه ! وا حمزتاه ! وا جعفراه ! وا عقيلاه ! وا حسناه ! وا حسيناه ! وا مصيبتاه ! « 2 » اليوم مات عليّ المرتضى ، اليوم فقد حمزة سيّد الشّهداء ، اليوم فقدنا أمّنا فاطمة الزّهراء .
وإذا تأمّلتم أيّها المؤمنون ، والشّيعة المخلصون فيما قد نقلنا لكم من هذه الرّوايات والأخبار وتلك القضايا والآثار ، علمتم وجه بكاء صديق وعدوّ عند مرور الحرم على مصارع الشّهداء ، وعرفتم سرّ تقاطر دموع خيل الأعداء على حوافرها ، وكيف لا ؟ فإنّ
هامش
( 1 ) - [ في المطبوع : « شفتيها » ] .
( 2 ) - [ زاد في ط البحرين : « اليوم مات محمّد المصطفى » ] .