خلقه ممّن في السّماوات والأرضين على النّهج الّذي تضمّنه بعض الأخبار ، من أنّه كان يجود بنفسه ، وكادت تخرج نفسه ، مع كونه طود النّهى والصّبر ، فكيف يكون حال الحرم من البنات والنّساء .
وقد رأيت في بعض الكتب : إنّ سيّد السّاجدين ، لمّا وقع نظره إلى جسد أبيه ألقى نفسه من أعلى البعير على الأرض مع أنّه كان مغلولا في عنقه الجامعة .
وروي عن بعضهم : إنّه كان للحسين بنت صغيرة السّن ، وكانت هي « 1 » بين تلك النّساء جالسة حول أبيها قابضة كتفه وكفّه في حضنها ، فتارة تشمّ كتفه وتارة تضع أصابعه على فؤادها وتارة على عينها ، وتأخذ من دمه الشّريف وتخضّب شعرها ، ووجهها وهي تقول : وا أبتاه ! قتلك أقرّ عيون الشّامتين ، وفرّح المعاندين ، يا أبا عبد اللّه ! ألبستني بنو أميّة ثوب اليتم على صغر سنّي ، يا أبتاه ! إذا أظلم اللّيل من يحمي حماي ؟ وإن عطشت فمن يروي ضمأي ؟ يا أبتاه ! نهبوا قرطي ، وردائي ، يا أبتاه ! انظر إلى رؤوسنا المكشوفة ، وإلى أكبادنا الملهوفة ، وإلى عمّتي المضروبة ، وإلى أمّي المسحوبة .
قال : فذرفت عند ندبها العيون وسالت عند سجعها الجفون ، فأتاهم زجر اللّعين ، وقال : الأمير نادى مناديه بالرّحيل ، فهلمّوا واركبوا . فأتت البنت إلى السّائق اللّعين ، فوقفت بين يديه ، وقالت يا هذا ! سألتك باللّه وبجدّي رسول اللّه ، أنتم اليوم مقيمون أم راحلون ؟ قال : بل راحلون . قالت : يا هذا ! إذا عزمتم « 2 » على الرّحيل سيروا بهذه النّسوة ، واتركوني عند والدي ، فإنّي صغيرة السّنّ ولا أستطيع الرّكوب ، فاعملوا معي المعروف ، واتركوني عند والدي أبكي عليه بدمع مذروف ، وقلب ملهوف ، واستأنس به ، فإذا متّ عنده سقط عنكم ذمامي ودمي .
فدفعها عنه ، وأبعدها عنه ، فلاذت بأبيها سيّد الشّهداء روحي له الفداء ، واستجارت به وقبضت زنده ، فأتى إليها ، وجذبها من عند أبيها ، فقالت له : يا هذا ! أنّ لي أخا صغيرا قتلته بنو أميّة ، فدعني أزوره ، وأتودّع منه كافاك اللّه تعالى . فأمهلها السّائق ، فتخطّت
هامش
( 1 ) - [ في المطبوع : « هو » ] .
( 2 ) - [ في المطبوع : « عرفتم » ] .