نادى : السّلام عليك يا جدّاه ! فردّ عليه السّلام . فقال : وعليك السّلام يا ولدي ! ويا ثمرة فؤادي ! يعزّ عليّ أن أراك على هذه الصّفة . ما لجسمك مبضّع وعظمك مرضّض ؟ فقال :
يا جدّاه ! من سنابك الخيل . فصاح رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : وا ولداه ! وا مهجة قلباه ! وا حسيناه ! فدنى منه أبوه عليه السّلام ، وقال : يا ولدي ! أرى شيبك مضمّخا بالدّماء ووجهك مضرّجا مرمّلا ، وقد ذبحت ذبح الشّاة . فقال : نعم يا أبتاه ! ذبحني الشّمر الضّبّابيّ من القفاء .
فبكى أمير المؤمنين عليه السّلام ، وقال : ليتني كنت حاضرا لأجدّل دونك الأعداء وأسقيهم كأس الرّدى ، يا ليت نفسي لنفسك الفداء . ثمّ دنت أمّه فاطمة الزّهراء عليها السّلام ، وقالت له :
يا نور عيني أرى جسمك على الثّرى ، ورأسك على السّمهريّ يعلى ، يا شقّ روحي وسمعي ، في الملأ بقيت إلى الآن بلا غسل وكفن ترى ، وما لقبرك عن قبورنا ناى ، ثمّ مرّغت ناصيتها بدمه ، ونادت : وا ولداه ! وا حسيناه ! وا قتيلاه ! وا جديلاه ! وا غريباه ! هذا ، ودم الحسين عليه السّلام على وجهها يسيل ، وتقول : بهذا ألقى اللّه الجليل . هذا وجدّه وأبوه وأمّه وأخوه في بكاء وعويل .
فمدّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، يده وقلّب كفّي الحسين عليه السّلام ، وقال : من قطع يا ولدي كفّيك ؟
فقال : يا جدّاه ! قطعهما جمّال لي . قال : وما مراده بذلك ؟ فقال : يا جدّاه ! لأجل هذه التّكّة الّتي في سراويلي ، كلّما مدّ يده ليأخذها قبضت عليها لئلّا تنكشف عورتي ، وكنت كلّما مددت يدا قطعها حتّى أتى عليهما ، فلّما سمع بذلك رمى نفسه بين القتلى خشية منك يا جدّاه .
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : يا أخسّ الأنام عليك لعنة اللّه الملك العلّام ، فعلت هذا بولدي ، سوّد اللّه وجهك ، وقطع يديك في الدّنيا ، قبل الآخرة ، فلم أشعر إلّا وقد سقطتا إلى الأرض كالعجين ، والوجه كما ترى كقالب قار ، فلعلّك تدعو لي بالموت ، ففارقته بعد أن لعنته ، ألا لعنة اللّه على القوم الظّالمين .
أقول : إذا سمعتم يا إخواني هاتين الرّوايتين ، فاصغوا لما أذكر لكم من رواية عجيبة وهي ما ذكره الغزالي في كتاب سرّ العالمين ، وذلك حيث قال : وأمّا قصّة زعيم بن بلعام فهي عجيبة ، قد أراد أن ينظر من أين منبع النّيل ، فلم يزل يسير حتّى وجد الخضر
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 325
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٣٢٥