فلمّا أصبحا إذا هما حول الكوفة ، فخافا ومضيا إلى حديقة ، فيها نخيل وماء وشجر ، فصعدا على نخلة ، فجاءت جارية حبشيّة لتستقي ماء ، فرأت عكس صورهما في الماء ، نظرت وإذا بغلامين صغيرين ، كأنّ اللّه لم يخلق مثلهما وجعلت تلاطف بهما حتّى نزلا من النّخلة وأتت بهما إلى دارها ، وأخبرت سيّدتها بهما ، فلمّا رأتهما اعتنقتهما ، وقبلّتهما ، وقالت :
يا حبيبي ! من أنتما ؟ قالا : نحن من عترة محمّد صلّى اللّه عليه واله وسلم ، وولد مسلم بن عقيل . فلمّا عرفتهما زادت في إكرامهما ، وأحضرت لهما الطّعام والشّراب . واعتنقت جاريتها سرورا بهذه العطيّة ، وأوصتها بأن لا يطلع زوجها على ذلك لأنّها كانت تعرفه بالشّرّ .
وأمّا عبيد اللّه بن زياد لمّا بلغه الخبر بأنّ مشكورا أطلق ولدي مسلم وأخرجهما من الحبس دعاه . وقال له : ويلك ! أين الغلامان ؟ قال : لما عرفتهما ، أطلقتهما كرامة لرسول اللّه . فقال : أأمنت من سطواني ؟ أما خفت من عقوبتي ؟ فقال : بل خفت من عقوبة ربّي ، ويلك يا ابن مرجانة ! قتلت أباهما ، وأيتمتهما على صغر سنّهما ، فما تريد منهما ؟ فغضب عبيد اللّه ، ودعا بالسّياط ، وقال : أجلدوه خمسمائة جلدة ، وأضربوا عنقه . فقال مشكور :
هذا في اللّه وفي حبّ أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم قليل .
فجلدوه خمسمائة جلدة ، وجعل يسبّح اللّه ويقدّسه ، ويقول : اللّهمّ أستعين بك ، وأطلب منك الفرج ، والرّوح ، والصّبر ، فإنّي قتلت في حبّ أهل بيت نبيّك ، اللّهمّ ألحقني بنبيّك وآله . ثمّ سكت ، حتّى ضربوه خمسمائة سوط ، وقد بلغت روحه التّراقي ، فقال بضعيف صوته : اسقوني ماء . فقال ابن زياد : لا تسقوه ، بل اقتلوه عطشانا . فتقدّم عمرو ابن الحارث ، وتشفع فيه عند ابن زياد ، وحمله إلى داره ليداويه ، ففتح مشكور عينيه ، وقال : واللّه لقد شربت شرابا من الكوثر لا أظمأ بعدها أبدا . ثمّ فارقت روحه .
وأمّا الغلامان فقد أكلا وشربا ، وولجا إلى الفراش ، وناما ، فلمّا كان نصف اللّيل أقبل الرّجل صاحب المنزل ، واسمه حارث ، واسم أبيه عروة - ويجري على بعض الألسن إنّه أخو هانئ بن عروة ، وليس بمعلوم - دخل اللّعين داره وهو مغضب ، وقالت زوجته :
ما الّذي نزل بك ؟ قال : قد كنت بباب الأمير ، فسمعت المنادي ينادي : إنّ مشكور السّجّان أطلق من الحبس غلامين صغيرين لمسلم بن عقيل ، من أتى بهما إلى الأمير فله
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 270
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٢٧٠