ابن الحرّ ذلك كرّ راجعا إلى أصحابه ، فعطف عليه أبوه وجماعة من أصحاب الحسين عليه السّلام ، فالتقوه ، وثار الغبار ، وارتفع القسطل حتّى ما أحد يعرف صاحبه ، قال : فاقتطعوا ولد الحرّ جماعة من أصحاب ابن سعد ، وحملوه على أطراف الرّماح ، وأشفار الصّفاح وهو يقول : أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأنّ محمّدا رسول اللّه . ثمّ قضى نحبه .
فلمّا رأى الحرّ ولده قد قتل ، فرح ، واستبشر ، وقال : الحمد للّه الّذي استشهدك بين يدي الحسين عليه السّلام ولم تمت جاهلا . فلمّا انجلّت الغبرة ، ورجع كلّ منهم إلى صاحبه ، وإذا في المعركة قتلاء لا يعلم بهم وبعددهم إلّا اللّه تعالى ، وقيل : عدد القتلى في تلك السّاعة أربعة آلاف فارس .
وأتى الحرّ إلى ولده ، وحمله على الحسين عليه السّلام ، ورجع أولئك القوم إلى أصحابهم ، فمن كان له نسيب أو قريب جعل يطلبه من بين القتلى ، ثمّ حمل أصحاب الحسين عليه السّلام ، ومعهم الحرّ حملة حنق ، فأنشأ الحرّ يقول شعرا :
أقسمت لا أقتل إلّا حرّا * ولو سقيت الموت طعما مرّا
وأجعل البارد سخنا مرّا * ردّ شعاع الشّمس واستقرّا
أخاف أن أخدع أو أغرّا * أضربكم ولا أخاف شرّا
ثمّ نادى : يا أهل الكوفة ! على ما دعوتم الحسين وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم دونه ، فغدرتم به ، وأحطتم به من كلّ جانب ومكان ، ومنعتموه التّوجّه إلى بلاد اللّه العريضة ، وأصبح أسيرا بين أيديكم ، ومنعتموه وأصحابه وعياله ماء الفرات ، والكلاب ، والخنازير ، واليهود ، والنّصارى يشربون منه . بئس ما خلفتم محمّدا صلّى اللّه عليه واله في أصحابه ، لا سقاكم اللّه يوم العطش الأكبر ، أما لكم ! لم لا ترجعوا وتثوبوا ؟
ثمّ إنّه حمل عليهم ، وأنشأ يقول :
إنّي أنا الحرّ ومأوى الضّيف * أضرب في أعناقكم بسيفي
ضرب غلام لم يخف من حيف * أحمي لمن حلّ بأرض الخيف
ابن عليّ الطّهر مقري الضّيف * لآخذنّ اليوم منكم حيفي