ثمّ حمل على القوم ، وأقلب الميمنة على الميسرة وبالعكس ، ولم يزل يقاتل حتّى قتل أربعين فارسا ، وقد كلّ ساعده ، فكثروا عليه القوم والجنود . ثمّ حمل عليهم ، وأنشأ يقول :
أقسمت لا أرجع حتّى أقتلا * أضربكم بالسّيف ضربا مقتلا
لا ناكلا عنكم ولا مبدّلا * عن الحسين سبط طه المرسلا
ثمّ حمل عليهم ، وضرب فيهم بالسّيف ضرب الأعمى بعصاه ، حتّى قتل منهم خلقا كثيرا . فقال ابن سعد لعنه اللّه تعالى : عليّ بالرّماة ، فاحضروهم ، فأمرهم برشقه بالنّبل ، فرشقوه ، فعقرت به فرسه ، فنزل عنها ، وأنشأ يقول :
إن تعقروا مهري فإنّي الحرّ * كاللّيث في الهيجاء إذ أكرّ
قال : فضرب فيهم بالسّيف حتّى تكاثروا عليه ، وشرك في قتله رجل اسمه مسرخ ، ورجل من فرسان أهل الكوفة ، فقتلوه ، واجتزّوا رأسه ، ورموا به إلى عسكر الحسين عليه السّلام . فأخذه الإمام عليه السّلام ووضعه في حجره ، وقال : ما أخطأت أمّك حيث سمّتك الحرّ ، وأنت حرّ في الدّنيا ، وسعيد في الآخرة . ثمّ إنّ الحسين عليه السّلام دخل إلى الخيمة ، وهو باكي العينين ، ثمّ أنّه أنشأ بهذه الأبيات يقول :
فنعم الحرّ حرّ بني رياح * صبور عند مشتبك الرّماح
ونعم الحرّ إذ واسا حسينا * وجاد بنفسه عند الكفاح
ونعم الحرّ في رهج المنايا * إذ الأبطال تحظر بالصّفاح
سيجزى في المعاد جنان خلد * مع الحور الخرائد والصّباح
لقد فاز الّذي نصروا حسينا * وخاب الأخسرون بنو السّفاح
ثمّ إنّه عليه السّلام بكى ، وقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، قتل واللّه أسد من آساد اللّه ، يذبّ عن حرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، ثمّ أنّه استغفر له .
قال أبو مخنف : [ . . . ] ثمّ حمل على القوم وقال : يا أهل الكوفة ! دعوتموه ، وزعمتم أنّكم تنصروه ، فأحطتم به من كلّ جانب ومكان ، على أنّكم تقتلوه ظلما وعدوانا ،