ومنعتموه من التّوجّه في بلاد اللّه العريضة ، فأصبح في أيديكم أسيرا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ، ومنعتم أولاده من شرب الماء الّذي تشرب منه اليهود ، والنّصارى ، والكلاب ، والخنازير ، بئس ما صنعتم وخلّفتم محمّدا صلّى اللّه عليه واله في ذرّيّته ، ما لكم ! لا سقاكم اللّه يوم الظّمأ الأكبر ، ألا تتوبوا وترجعوا عمّا أنتم عليه ؟ وأنشأ يقول :
أغشاكم ضربا بحدّ السّيف * ضرب غلام لم يخف من حيف
أنصر من حلّ بأرض الخيف * نسل عليّ الطّهر مقرى الضّيف
ثمّ حمل على القوم ، ولم يزل يقاتل حتّى قتل من القوم خمسين رجلا . قال عمر بن سعد : يا ويلكم ! ارشقوه بالنّبل والسّهام ، ففعلوا ذلك ، وجعلوا يرشقون حتّى جعلوه كالقنفذ وحملوا عليه حملة رجل واحد .
روي : أنّ الحرّ لمّا لحق الحسين عليه السّلام ، قال رجل من تميم يقال له يزيد بن سفيان : أما واللّه لو لحقته ، لأتبعته السّنان ، فبينما هو يقاتل وإنّ فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبيه ، وإنّ الدّماء تسيل إذ قال الحصين : يا يزيد ! هذا الحرّ الّذي كنت تتمنّاه ؟ قال : نعم .
فخرج إليه ، فما لبث الحرّ أن قتله ، وقتل أربعين فارسا وراجلا ، فلم يزل يقاتل حتّى عرقب فرسه ، وهو يقول :
إنّي أنا الحرّ ونجل الحرّ * أشجع من ذي لبد هزبر
ولست بالجبان عند الكرّ * لكنّني الوقّاف عند الفرّ
وروى أنّ الحرّ كان يقول :
آليت لا أقتل حتّى أقتلا « 1 » * أضربهم بالسّيف ضربا معضلا
لا ناقلا عنهم ولا معلّلا * لا عاجزا عنهم ولا مبدّلا
أحمي الحسين الماجد المؤمّلا
الدّربندي ، أسرار الشّهادة ، / 279 - 280 ، 290 - 291
ثمّ حمل عليهم وقال : « يا أهل الكوفة ، هذا الحسين ، لقد دعوتموه ، وزعمتم أنّكم
هامش
( 1 ) - [ في المطبوع : « اقتتلا » ] .