فاستعفاه ابن سعد ، ولمّا استردّ منه العهد ، استمهله ليلته ، وجمع عمر بن سعد نصحاءه ، فنهوه عن المسير لحرب الحسين ، وقال له ابن أخته حمزة بن المغيرة بن شعبة : أنشدك اللّه أن لا تسير لحرب الحسين ، فتقطع رحمك ، وتأثم بربّك ، فو اللّه لئن تخرج من دنياك ، ومالك ، وسلطان الأرض كلّه لو كان لك ، لكان خيرا لك من أن تلقى اللّه بدم الحسين .
فقال ابن سعد : أفعل إن شاء اللّه . وبات ليلته مفكّرا في أمره ، وسمع يقول :
أأترك ملك الرّيّ والرّيّ رغبتي * أم أرجع مذموما بقتل حسين
وفي قتله النّار الّتي ليس دونها * حجاب وملك الرّيّ قرّة عيني
وعند الصّباح أتى ابن زياد وقال : إنّك ولّيتني هذا العمل ، وسمع به النّاس ، فانفذني له ، وابعث إلى الحسين من لست أغنى في الحرب منه . وسمّى له أناسا من أشراف الكوفة .
فقال ابن زياد : لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث ، فإن سرت بجندنا ، وإلّا فابعث إلينا عهدنا . فلمّا رآه ملحّا ، قال : إنّي سائر . فأقبل في أربعة آلاف ، وانضمّ إليه الحرّ فيمن معه .
المقرّم ، مقتل الحسين عليه السّلام ، / 236 - 237
قال أرباب السّير : وكان ابن زياد قد بعث عمر بن سعد - قبيل شهر المحرّم - قائدا على أربعة آلاف إلى ( ثغر دستبى ) ، لأنّ ( الدّيلم ) قد غلبوا عليها ، وكتب له عهدا بولاية ( الرّيّ وثغر دستبى والدّيلم ) فعسكر ابن سعد في ( حمّام أعين ) « 1 » .
فلمّا كان من أمر الحسين عليه السّلام ما كان دعاه ابن زياد ، وقال له : سر إلى الحسين ، فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه ، سرت إلى عملك .
فاستعفاه عمر بن سعد من ذلك . فقال ابن زياد : نعم ، على أن تردّ لنا عهدنا الّذي
هامش
( 1 ) - الرّيّ - بتشديد الرّاء - : من بلاد فارس ، لم تكن مدينة في الشّرق أعمر منها ، وإن كانت نيسابور أكبر رقعة منها ، وهي عجيبة في الحسن والجمال .
و ( دستبى - بالفتح فالسكون فالفتح ) كورة كبيرة كانت مقسومة بين الرّيّ وهمذان ، فقسّم منها يسمّى ( دستبي الرّازي ) وهو يقارب التّسعين قرية ، وقسّم منها يسمّى ( دستبي همذان ) وهو عدّة قرى ، و ( الدّيلم - بالفتح فالسّكون - ) : جيل من النّاس ، سمّوا بأرضهم في قول بعض أهل الأثر . وديلم : اسم ماء لأهل عبس . . . وحمّام أعين - بالتّشديد - بالكوفة منسوب إلى أعين - بفتح الياء - مولى سعد بن أبي وقّاص ، وذكر هذا المكان في الأخبار المشهور - عن معجم البلدان للحمويّ باقتضاب - .