الرقم الكتابة الغليظة ، وقيل : معناه مختوم ، وقيل : مكتوب كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى ، كل هذا التفسير قائم على أساس الافتراض بأن السجين اسم للكتاب المسجل ، ويؤيده أن بعضهم قال : إن أصل سجين سجيل . أما في غير هذا الافتراض فيكون تفسير هذه الآية : إن الكتاب الذي هو في سجين كتاب مرقوم ، لا تتشابه خطوطه ؛ لأنه كتاب واضح ، والله العالم .
وينبغي أن نختم حديثنا عن السجين بحديث يفيض عبرة ونصحا ، مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام في معنى السجين والأعمال ، والأشخاص الذين يهوون إليه ، قال عليه السلام :
[ مَرَّ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عليه السلام عَلَى قَرْيَةٍ قَدْ مَاتَ أَهْلُهَا وطَيْرُهَا ودَوَابُّهَا فَقَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا إِلَّا بِسَخْطَةٍ ولَوْ مَاتُوا مُتَفَرِّقِينَ لَتَدَافَنُوا . فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ : يَا رُوحَ الله وكَلِمَتَهُ ادْعُ الله أَنْ يُحْيِيَهُمْ لَنَا فَيُخْبِرُونَا مَا كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فَنَجْتَنِبَهَا ، فَدَعَا عِيسَى عليه السلام رَبَّهُ ، فَنُودِيَ مِنَ الْجَوِّ أَنْ نَادِهِمْ ، فَقَامَ عِيسَى عليه السلام بِاللَّيْلِ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ : يَا أَهْلَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ، فَأَجَابَهُ مِنْهُمْ مُجِيبٌ : لَبَّيْكَ يَا رُوحَ الله وكَلِمَتَهُ .
فَقَالَ : وَيْحَكُمْ مَا كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ ؟ قَالَ : عِبَادَةُ الطَّاغُوتِ وحُبُّ الدُّنْيَا مَعَ خَوْفٍ قَلِيلٍ وأَمَلٍ بَعِيدٍ وغَفْلَةٍ فِي لَهْوٍ ولَعِبٍ ، فَقَالَ : كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِلدُّنْيَا ؟ قَالَ : كَحُبِّ الصَّبِيِّ لِأُمِّهِ ، إِذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْنَا فَرِحْنَا وسُرِرْنَا وإِذَا أَدْبَرَتْ عَنَّا بَكَيْنَا وحَزِنَّا ، قَالَ : كَيْفَ كَانَتْ عِبَادَتُكُمْ لِلطَّاغُوتِ ؟ . قَالَ : الطَّاعَةُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي ، قَالَ : كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِكُمْ ؟ قَالَ : بِتْنَا لَيْلَةً فِي عَافِيَةٍ وأَصْبَحْنَا فِي الْهَاوِيَةِ ، فَقَالَ : ومَا الْهَاوِيَةُ ؟ فَقَالَ : سِجِّينٌ ، قَالَ : ومَا سِجِّينٌ ؟ قَالَ : جِبَالٌ مِنْ جَمْرٍ تُوقَدُ عَلَيْنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ]
« 1 » .
[ 10 ] يتلقى الجاهل الموقف الصعب بتكذيبه ، ويزعم أنه لو دفن رأسه في التراب فإن الآخرين لا يرونه ، كلا . . إن الشمس لا تتلاشى إذا أغلقت نافذة غرفتك عنها ، كذلك حقيقة المسؤولية لا تنماث إذا أنكرتها ، بل كلما جحد الجاهل المسؤولية بنبرة أقوى وصلافة أشد ازداد بعدا عن تحملها وقربا من العذاب ، ذلك أن التكذيب جريمة ، كما أنه علة لسائر الجرائم ، وتبلو عاقبة التكذيب عند قيام الساعة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ .
[ 11 ] هكذا القرآن يغلق أمام النفس أبواب التبرير لعلها تعي المسؤولية وتتحملها ، وأعظم التبرير التكذيب ، ولا سيما التكذيب بيوم الدين الذي يهدم أساس الفكر الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ لهؤلاء الويل واللعنة والثبور لمجرد تكذيبهم ، فكيف بسائر الجرائم التي ارتكبوها ؟ ! .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 318 .