جبار السماوات والأرض ، أولم تقرأ أن إسرافيل أعظم ملائكة الله يتضاءل أمام هيبة الرب حتى يصبح كالوصع ( العصفور ) - كما ذكر في سورة التكوير آية 23 - ، فمن أنا غير هذا العبد المسكين المستكين الضعيف الحقير أمام رب العزة والعظمة ؟ ! .
هكذا يذكرنا القرآن بهذه الحقائق ، فبعد أن يقول : أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ يذكرنا بالساعة فيقول : لِيَوْمٍ عَظِيمٍ عظمت آثاره في السماوات والأرض حتى أشفقت منه ، فلولا اتقاء أهواله بالعمل الصالح أنى نحصل فيه على أمان ، والسماوات تنفطر والجبال تكون سرابا والأرض تزلزل زلزالها ؟ ! .
[ 6 ] وأعظم من كل تلك الأهوال قيام الناس أمام رب العالمين . . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ يكاد القلب البشري يتصدع حينما يحمله الله شيئا من نور عطفه وحنانه ، فكيف يصمد هذا القلب أمام عقاب الله وزجره ؟ ! جاء في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله :
[ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ العَرَقُ كَعْبَيْهِ ، وَمِنْهِمْ مَنْ يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ ، وَمِنْهِمْ مَنْ يَبْلُغُ حِقْوَيْهِ ، وَمِنْهِمْ مَنْ يَبْلُغُ صَدْرَهُ ، وَمِنْهِمْ مَنْ يَبْلُغُ أُذُنَيْهِ حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ يَغِيْبُ في رَشْحِهِ كَمَا يَغِيْبُ الضِّفْدَعُ ]
« 1 » . بيد أن المؤمنين في أمان من أهوال القيامة ، هكذا ورد في حديث مأثور عن النبي صلى الله عليه وآله
[ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونُ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ المَكْتُوبَةِ ، يُصَلِّيْهَا في الدُّنْيَا ]
« 2 » .
وكلمة أخيرة : إن المؤمن ليقوم في الدنيا لله قياما يساعده في قيامه في الآخرة ، أولم يأمره ربنا سبحانه بذلك حين قال : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ . . [ البقرة : 238 ] وقال : أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ [ سبأ : 46 ] .
[ 7 ] ولكن هؤلاء المجرمين لا يظنون ذلك حتى يأتيهم بغتة ، ولذلك فإن كتابهم محفوظ في سجين ، حيث لا يمكن تغييره ، وهو كتاب واضح لا لبس فيه ولا تزوير . كَلَّا يبدو أن معنى كَلَّا في الأصل النفي المؤكد ، كأن تقول : أبدا لا ، ولكن تعطي في مثل هذا السياق معنى الردع والزجر ، كما توحي بتأكيد الحقائق التي ذكرت آنفا ، وكأنه نفي للتكذيب بها ، ومن هنا قال بعضهم : إن معنى كَلَّا هنا حقًّا ، ونقل عن ابن عباس : أن معناه ألا تصدقون . إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ما هو سجين ؟ يبدو أنه مبالغة في السجن ، أي المحل الذي لا تناله أيدي السرقة أو التزوير . فما هو الكتاب ؟ بالرغم من أن هناك كتبا كثيرة تسجل فيها أعمال العباد ، الأرض تكتب ، والسماوات تصور ، وأشياء الطبيعة تحفظ آثار العمل ، وحتى أعضاء الجسد
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 19 ، ص 255 .
( 2 ) المصدر السابق : ص 255 .