تشهد ، إلا أن الظاهر من الكتاب هو ما يسجل على الفرد من أقواله وأفعاله ، وحتى نياته مما ذكره الله بقول : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 18 ] .
ثم يطوى هذا الكتاب ، ويحفظ في خزانة محكمة هي سجين ، فأين تقع هذه الخزانة ؟ لقد حدد هذا النص التالي محلها : روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال :
[ إِنَّ المَلَكَ يَرْفَعُ العَمَلَ لِلْعَبْدِ يَرَى أَنَّ في يَدَيْهِ مِنْهُ سُرُوراً ، حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى المِيْقَاتِ الَّذِي وَصَفَهُ اللهُ لَهُ ، فَيَضَعُ العَمَلَ فِيْهِ فَيُنَادِيْهِ الجَبَّارُ مِنْ فَوْقِهِ : ارْمِ بِمَا مَعَكَ في سِجِّينَ ، وَسِجِّيْنٌ الأَرَضُ السَّابِعَةُ ، فَيَقُولُ المَلَكُ : مَا رَفَعْتُ إِلَيْكَ إِلَّا حَقًّا ، فَيَقُولُ : صَدَقْتَ ، ارْمِ بِمَا مَعَكَ في سِجِّيْنٍ ]
« 1 » . وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال :
[ السِّجِّيْنُ الأَرَضُ السَّابِعَةُ ، وَعِلِّيُّونَ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ ]
« 2 » .
وقال بعضهم : سجين : صخرة في الأرض السابعة ، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله :
[ سِجِّيْنُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ ، وَهُوَ مَفْتُوحٌ ]
« 3 » ، وقال عكرمة : [ سجين خسار وضلال ] « 4 » ، كقولهم لمن سقط قدره : قد زلق بالحضيض .
ويبدو لي أن أصلها السجن كما ذكرنا ، وإنما سائر التفاسير تحديد لموقع السجن أو ملابساته ، لذلك قال أبو عبيدة « 5 » ، وغيره في تفسير الآية : لفي حبس وضيق شديد ، فعيل من السجن كما يقول : فسيق وشريب .
[ 8 ] وهناك افتراض آخر : أن يكون سجين اسما لتلك السجلات التي تحفظ الكتب ، وأن يكون معنى الكتاب هنا ما يكتب من أعمال ، فيكون المعنى هكذا : إن أعمال الفجار مكتوبة في سجين وهو كتاب مرقوم ، ويؤيد هذا المعنى السياق التالي : وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ وهذه الكلمة تأتي للإيحاء بعظمة ذلك الكتاب - حسب هذا المعنى - بلى ، الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، الكتاب الذي يسجل حتى أنفاس الخلق ووساوس أفئدتهم ، ونيات أفعالهم ، الكتاب الذي يحيط بكل أفعال الفجار أنى كانوا ، وأنى عملوا . إنه كتاب عظيم .
[ 9 ] كِتَابٌ مَرْقُومٌ وهكذا تكون هذه الآية تفسيرا للآية السابقة : أي سجين كتاب مرقوم ، كما قال ربنا سبحانه : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [ القدر : 1 - 3 ] ، والمرقوم بمعنى متجلٍّ بوضوح ، لأن أصل معنى
هامش
( 1 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 325 .
( 2 ) نور الثقلين : ج 5 ، ص 530 .
( 3 ) تفسير القرطبي : ج 19 ، ص 258 .
( 4 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 325 .
( 5 ) التبيان في تفسير القرآن : ج 10 ، ص 298 .