تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
فوقها ، فإذا استسلم الإنسان لقوة الشهوات ضعفت إرادته ، وكسف نور عقله ، فلا يزال كذلك حتى يخبو عقله ، وتنماث إرادته فيسترسل كليا مع الشهوات ، ومن جهة أخرى : عندما يرتكب البشر جريمة أو ذنبا يتهرب من وخز ضميره بتبريرهما ، ولا يزال يبرر لنفسه ما يرتكبه حتى يقتنع بذلك التبرير ، بل يتحول عنده إلى ثقافة متكاملة ، فلا يكاد يعرف الحقيقة ، ومن جهة ثالثة : الخير عادة والشر عادة ، ومن عوَّد نفسه على الشر كيَّف سلوكه وسائر تصرفاته مع تلك العادة ، وكان كدودة القز تنسج حول نفسها ما يقتلها . . أرأيت الذي يكتسب الحرام ، إما بالسرقة أو الغش أو التطفيف أو التعاون مع الظالمين أو العمل كجاسوس محترف للطغاة أو الأجانب ، أرأيته يتخلص من هذه المهنة وقد كيف نفسه معها ، واعتمد عليها في رزقه اليومي ؟ ! . لذلك ينبغي للرشيد ألا يتبع الشيطان منذ الخطوة الأولى ، ولا يرتكب حتى الذنب الأول ، وإذا مر به طائف من الشيطان فخدعه عن دينه ، وارتكب ذنبا فعليه أن يتوب عن قريب ، ولا يتابع مسيرة الذنب ؛ فإن الذنب بعد الذنب يفسد القلب ، ويبعد عن الإنسان توفيق التوبة . هكذا روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : [ مَا شَيْءٌ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنَ الْخَطِيئَةِ إِنَّ الْقَلْبَ لَيُوَاقِعُ الْخَطِيئَةَ فَمَا تَزَالُ بِهِ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيَصِيرَ أَسْفَلُهُ أَعْلَاهُ وأَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ ] « 1 » قال رسول الله صلى الله عليه وآله : [ إِنَّ المُؤْمِنُ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَودَاءُ في قَلْبِهِ فَإنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ مِنْهُ ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ فَذَلِكَ الرَّيْنُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ في كِتَابِهِ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ] « 2 » . من هنا ينبغي التوبة إلى الله في كل يوم بل وفي كل ساعة حتى يمحى أثر الذنوب التي لازلنا نمارسها قبل أن تترسخ في القلب فتفسده ، كما ينبغي التلاقي والتواصي بالحق والصبر ، والتناصح حتى تُجلى الأفئدة من رينها ، هكذا أوصانا رسول الله صلى الله عليه وآله فيما روي عنه أنه قال : [ تَذَاكَرُوا وتَلَاقَوْا وتَحَدَّثُوا فَإِنَّ الْحَدِيثَ جِلَاءٌ لِلْقُلُوبِ ، إِنَّ الْقُلُوبَ لَتَرِينُ كَمَا يَرِينُ السَّيْفُ جِلَاؤُهَا الْحَدِيثُ ] « 3 » . [ 15 ] هذه القلوب التي ترين بالذنب لا تتشرف بلقاء ربها يوم القيامة ، ذلك أن هذه الذنوب تصبح حجبا كثيفة تمنع عنه أنوار الله البهية . كَلَّا فليرتدعوا عن الاسترسال مع الذنوب وما يسبب لهم رين القلب ؛ لأن لذلك عاقبة سوأى ، وهي : إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ لقد حجبهم الذنب عن رحمة الله وعطفه ورعايته ، كما حجبهم الذنب عن نور لقائه ومشاهدته بحقيقة الإيمان ، أليس أعظم نعم الله على المؤمن رضاه عنه ومناجاته له ، ولقاء قلبه بنوره ؟ إن هذا لهو النعيم المقيم الذي يسعى إليه المؤمن ، إنه أعظم جائزة يتوقعها من ربه ، فقد جاء في الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : [ وَاللهِ إِنَّ أَرْوَاحَنَا وَأَرْوَاحَ النَّبِيِّينَ لَتُوَافِي الْعَرْشَ
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 328 . ( 2 ) روضة الواعظين : ج 2 ص 414 . ( 3 ) الكافي ج 1 ، ص 41 .