[ 12 ] ولكن لماذا يكذبون بيوم الدين ؟ هل لنقص في شواهده ؟ كلا . . بل لقرار اتخذوه حاليًّا ، وجرائم ارتكبوها سابقا ، أما قرارهم فهو الاستمرار في الاعتداء على حقوق الآخرين ، والتواصل في ارتكاب الإثم . وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إنهم الفجار الذين لم يلتزموا لا بحقوق الآخرين فاعتدوا عليها وأكلوا أموال الناس بالباطل ، ولا بحق الله عليهم فأثموا وارتكبوا الفواحش .
[ 13 ] ويقارن التكذيب في ألسنة هؤلاء - البذيئة - بالاستهزاء ، ومحاولة حرف الآخرين عن آيات الله ، فتراهم إذا تتلى عليهم آيات الله رموها بالرجعية ، وزعموا أنها : ليست سوى الخرافات السابقة . إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا يبدو أن الذين يتلون عليهم هذه الآيات هم الدعاة إلى الله ، والآيات تهديهم إلى الله ورسالاته وشرائعه ، ولكنهم ينكرونها رأسا دون أن يتفكروا قليلا ، خشية أن يتأثروا بها ، فيفقدوا نعيمهم الزائل ، وموقعهم الزائف القائم على الإثم والعدوان ، قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ولعل مرادهم من هذا الحديث بيان أنهم لن يتأثروا بها مستقبلا ، كما أنهم لم ينتفعوا بها سابقا ، ذلك لأنها مجرد تكرار لدعوات سابقة ، وهذه الآية نظير قولهم كما في آية أخرى : وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ الفرقان : 5 ] .
[ 14 ] لماذا يقف بعض الناس موقف الجاحد المعاند وبهذه الدرجة من آيات الله البينات ، أولا يحبون أنفسهم ، أولا يحكم العقل بضرورة الاستماع إلى النذير فلعله يكون صادقا فيقعون في خطر عظيم ؟ ! يجيب السياق عن هذا التساؤل : بأن للذنب أثرا سيئا على القلب البشري ، وكلما تراكمت الذنوب تراكمت آثارها . كَلَّا ليست أساطير الأولين ، بل إنها حقائق من عند الله . بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ قالوا : [ ران بمعنى غلب ] « 1 » ، واستشهدوا على ذلك باستخدام مفرداته ، مثل : رانت به الخمرة ، وران عليهم النعاس ، ويقال : [ قد رين بالرجل رينا إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ] ، ولكن - يبدو لي - أن الأصل في الرين الصدأ ، وهو الغلالة الخفيفة التي تحيط بالحديدة وما أشبه وتدل على فسادها . ولعل الفارق بينه وبين الصدأ أن الصدأ قد يكون في جزء ، في حين أن الرين يستخدم إذا أحاط الصدأ بالقلب تماما ، لذلك قال بعضهم : الرين أن يسود القلب من الذنوب ، ونقل عن ابن عباس : [ ران على قلوبهم بمعنى غطَّى على قلوبهم ] « 2 » .
ولكن كيف يرين الذنب على القلب ؟ أن في قلب الإنسان قوى تتنازعه ، وإرادة الإنسان
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 293 .
( 2 ) التفسير الكبير : ج 31 ، ص 94 .