أيضا بالظن . وقد استشهدوا بالحديث المأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذي قال في تفسير هذه الآية :
[ أَيْ يُوْقِنُونَ أَنَّهُمْ مَبْعُوْثُوْنَ ]
« 1 » . وكذلك بالنص المروي عنه أيضا حيث يقول عليه السلام :
[ وَالظَّنُّ ظَنَّانِ ظَنُّ شَكٍّ وَظَنُّ يَقِينٍ فَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ مِنَ الظَّنِّ فَهُوَ ظَنُّ يَقِينٍ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَهُوَ ظَنُّ شَك ]
« 2 » . ولعل الإمام يشير إلى حقيقة بينها الإمام الرضا عليه السلام بصيغة أخرى ، حين قال :
[ مَا خَلَقَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ يَقِيناً لَا شَكَّ فِيهِ أَشْبَهَ بِشَكٍّ لَا يَقِينَ فِيهِ مِنَ الْمَوْتِ ]
« 3 » .
ذلك أن كل الحقائق تشهد بأن الإنسان ميت ولكنه لا يتصوره ، لماذا ؟ لأن مثل هذا التصور يفرض عليه الحذر والاتقاء ، وهو لا يريد ذلك فيبقى حائرا بين شواهد علمية تكشف له حقيقة الموت ، وأهواء نفسية تحجب عنه هذه الحقيقة ، تماما كمن مني بهزيمة في المعركة يظل لفترة مترددا بين قبولها وفقا للمعلومات الصادقة أو رفضها استرسالا مع هواه وغروره . ويبدو أن الإيمان بالآخرة هو الآخر يصطدم بأهواء النفس وشهواتها ، فتتحول إلى ظن لا لقلة الشواهد عليها بل لصعوبة التصديق بها . . والله العالم .
وقد سبق أن قلنا وبتكرار أن معنى الظن - فيما يبدو - هو : التصور ، وفسرنا الآية التالية بذلك حيث قال ربنا : قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 249 ] وقوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [ البقرة : 46 ] . حيث إن تصور البعث وما يعقبه من القيام للحساب أمام رب العالمين يكفي الإنسان رادعا عن كل سيئة ، وربما يوحي إلى ذلك قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير الإيمان حيث سئل عنه فقال :
[ الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الصَّبْرِ والْيَقِينِ والْعَدْلِ والْجِهَادِ ، والصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ : عَلَى الشَّوْقِ والشَّفَقِ والزُّهْدِ والتَّرَقُّبِ ، فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ ومَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ ]
« 4 » .
[ 5 ] ثلاث حقائق متصلة ببعضها لو تمثلت أمام عين العاصي لارتدع واتقى : البعث والساعة ، والقيامة . إن حياة الإنسان سجل ، يطوى اليوم ويكتب فيه بقلم الطبيعة ما يفعله ، فإذا نشر نشر معه سجله بالكامل ، فيا للفضيحة الكبرى يومئذ ! ثم الساعة وأشراطها يوم تبدل الأرض غير الأرض ، وتطوى السماوات كطي السجل للكتب ، فإذا لم يعمل اليوم لبلوغ الأمان من أهوالها فيا للخسارة العظمى ! أما قيام الناس أمام رب العالمين فإنه رهيب عظيم ، لا يسع الفكر تصور تلك اللحظة التي يتمثل هذا المخلوق المتناهي في الضعف والمسكنة أمام
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 90 ص 114 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 66 ، ص 267 .
( 3 ) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ، ص 194 .
( 4 ) الكافي : ج 2 ، ص 50 .