تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ فَمَا تَرِدُ فِي أَبْدَانِنَا إِلَّا بِجَمِّ الْغَفِيرِ مِنَ الْعِلْم ] « 1 » . وقد عبر الإمام زين العابدين عليه السلام عن هذا اللقاء العاصف بالشوق والوله بين العبد والرب بقوله في مناجاته : [ فَقَدِ انْقَطَعَتْ إِلَيْكَ هِمَّتِي وَانْصَرَفَتْ نَحْوَكَ رَغْبَتِي ، فَأَنْتَ لَا غَيْرُكَ مُرَادِي ، وَلَكَ لَا لِسِوَاكَ سَهَرِي وَسُهَادِي ، وَلِقَاؤُكَ قُرَّةُ عَيْنِي ، وَوَصْلُكَ مُنَى نَفْسِي ، وَإِلَيْكَ شَوْقِي ، وَفِي مَحَبَّتِكَ وَلَهِي ، وَإِلَى هَوَاكَ صَبَابَتِي ، وَرِضَاكَ بُغْيَتِي ، وَرُؤْيَتُكَ حَاجَتِي ، وَجِوَارُكَ طَلِبَتِي ، وَقُرْبُكَ غَايَةُ سُؤْلِي ، وَفِي مُنَاجَاتِكَ أُنْسِي وَرَاحَتِي ، وَعِنْدَكَ دَوَاءُ عِلَّتِي وَشِفَاءُ غُلَّتِي وَبَرْدُ لَوْعَتِي وَكَشْفُ كُرْبَتِي . . إلى أن يقول : وَلَا تُبْعِدْنِي مِنْكَ يَا نَعِيمِي وَجَنَّتِي ، وَيَا دُنْيَايَ وَآخِرَتِي ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ] « 2 » . وإذا كان لقاء الله أعظم نعم المؤمنين فإن حرمان الفجار منه يعد أعظم عذاب لهم ، ولا يعرفون عمق هذه المأساة إلا في يوم القيامة ، لذلك ترى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يجأر إلى ربه خشية فراقه ويقول : [ فَهَبْنِي يَا إِلَهِي وَسَيِّدِي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِكَ ، وَهَبْنِي صَبَرْتُ عَلَى حَرِّ نَارِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى كَرَامَتِك ] « 3 » . [ 16 ] والعذاب الآخر تصلية النار ، فلا حجاب بينهم وبينها ، ولا ستر ، أوليسوا لم يستروا أنفسهم منها في دار الدنيا ، ولم يتقوا حرها ولهيبها ؟ ! فهاهم اليوم يصلونها ويذوقون مسها مباشرة ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ . أما المؤمنون فقد تزودوا من الدنيا بزاد التقوى فسترهم عن النار في الآخرة كما استتروا بها عن الذنوب في الدنيا ؛ لأنهم عرفوا أن الذنوب تصحبهم من هناك إلى هناك ، حيث تتحول نيرانا لاهبة ، وحيات وعقارب وظلمات وآلاما ، فتحصنوا عنها بحصن التقوى . [ 17 ] أما العذاب الثالث فهو الإذلال والتحقير والإهانة والتبكيت أوليسوا قد استهزؤوا بالرسالات ، وقالوا : إن هي إلا أساطير الأولين ، فاليوم يُشمت بهم حتى يذوقوا العذاب الروحي الذي كانوا يُذيقونه الدعاة إلى الله بتكذيبهم والاستهزاء بهم ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 17 ، ص 152 . ( 2 ) الصحيفة السجادية : مناجاة المريدين . ( 3 ) البلد الأمين : ص 190 ، من دعاء كميل لأمير المؤمنين عليه السلام .
من هدى القرآن — صفحة 93 | السيد محمد تقي المدرسي