تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
بالضرر ، إذ إن الاستيفاء يتم على الناس أي في ضررهم . وقال بعضهم : إنه بمعنى إذا كالوا ما على الناس . [ 3 ] ولكنهم إذا اكتالوا لغيرهم تراهم يعطونهم أقل من حقهم وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ، قالوا : معناه كالوا لهم أو وزنوا لهم ، ثم حذف اللام ، واستشهدوا بقول الشاعر :
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا * ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
حيث كان في الأصل جنيت لك ، ويبدو لي أن حذف اللام هنا من بديع بلاغة القرآن ، حيث إن اللام توحي بالفائدة والنفع ، في حين أنه لا منفعة لمن يكال لهم لأنهم يخسرونهم . والتطفيف في المكيال والميزان كان شائعا - حسب التواريخ - في يثرب قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله ، وكانت هذه السورة أول سورة نزلت على قلب النبي صلى الله عليه وآله في المدينة ، وأثرت فيهم أثرا بالغا فأقلعوا عن هذه العادة وأصبحوا من أحسن الناس مكيالا ، هكذا روي عن ابن عباس ، حيث أضاف : [ فلما نزلت هذه السورة انتهوا فهم أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا ] « 1 » . وقد حاربت رسالات الله الفساد الاقتصادي في المجتمع بكل ألوانه ، والتطفيف واحد من أسوأ أنواع هذا الفساد . وقد حكى ربنا عن شعيب عليه السلام قوله : * أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُخْسِرِينَ ( 181 ) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ( 182 ) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [ الشعراء : 181 - 183 ] . ولكن هل الفساد الاقتصادي خاص بالتطفيف في الوزن والمكيال أم أنهما مجرد مثلين لما هو أعم وأشمل ؟ فالغش والاحتكار واستغلال طاقات الضعفاء ، واستثمار ثروات البلاد المتخلفة ، والابتزاز وسائر أساليب الكسب اللامشروع كل تلك من ألوان الفساد الاقتصادي . ثم إن التطفيف في الميزان لا يخص الجانب الاقتصادي ، بل يتسع للجوانب السياسية والاجتماعية أيضا ، فلا يجوز أن تطالب الناس بكامل حقك ، ثم إذا طالبوك بحقوقهم بخستهم . جاء في الحديث عن الصادق عليه السلام : [ لَيْسَ مِنَ الْإِنْصَافِ مُطَالَبَةُ الْإِخْوَانِ بِالْإِنْصَافِ ] « 2 » . لا بد أن نتعامل مع الناس بمثل ما نحب أن يتعاملوا معنا . إن أفضل ميزان للعدل هو أن تضع نفسك دائما في موضع الآخرين وتتساءل : ماذا كنت انتظر منهم لو كنت في موقعهم ، هكذا هم ينتظرون وعلي أن أفي بحقهم . هكذا توالت نصوص الدين فلنتأمل بعضها : 1 - عن أبي عبد الله عليه السلام : [ أَحِبُّوا لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّونَ لِأَنْفُسِكُمْ ] « 3 » .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 291 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 75 ، ص 27 . ( 3 ) الكافي : ج 2 ، ص 635 .
من هدى القرآن — صفحة 85 | السيد محمد تقي المدرسي