( أما تكذيب هؤلاء المطففين بالحساب فلن يجديهم نفعاً بل يزيدهم عذابا ) فويل للمكذبين ( الذين لا حجة لهم إلا إن يقولوا ) إذا تليت عليهم آيات الرحمن إنها أساطير الأولين ( لعلهم تعودوا عليها فلم يتأثروا بها ) إن قلوبهم قد أحاطت بها الخطيئة ، فإذا بها قد ران عليها ما كانوا يكسبون كما الصدأ يحيط بالحديدة ) كلا . . ( لن ينفعهم تكذيبهم ، ولن تنفعهم توبتهم لأنهم ) عن ربهم يومئذ محجوبون ( ومن حجب عن بحار رحمة الله فما الذي ينفعه ) . وهكذا فهم سوف يصلون الجحيم وآنئذ يرون جزاء تكذبيهم حيث يقال لهم هذا الذي كنتم به تكذبون .
بينات من الآيات :
[ 1 ] هل أنا مؤمن ؟ بلى ، أولست أصلي وأصوم وأنفق من أموالي في سبيل الله ؟ كلا . . هذه وحدها لا تكفي ، فلنحذر من خداع الذات ، أوليس كل الناس حتى أعتى الطغاة والمجرمين يبرئون ساحة أنفسهم ؟ ! فما الميزان إذن ؟ إنه القرآن ، هكذا قال الإمام أبو جعفر ( الباقر ) عليه السلام لجابر بن يزيد الجعفي :
[ وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لَا تَكُونُ لَنَا وَلِيّاً حَتَّى لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْكَ أَهْلُ مِصْرِكَ وَقَالُوا : إِنَّكَ رَجُلُ سَوْءٍ ؛ لَمْ يَحْزُنْكَ ذَلِكَ ، وَلَوْ قَالُوا : إِنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ ؛ لَمْ يَسُرَّكَ ذَلِكَ . وَلَكِنِ اعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللهِ فَإِنْ كُنْتَ سَالِكاً سَبِيلَهُ زَاهِداً فِي تَزْهِيدِهِ رَاغِباً فِي تَرْغِيبِهِ خَائِفاً مِنْ تَخْوِيفِهِ فَاثْبُتْ وَأَبْشِرْ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا قِيلَ فِيكَ ، وَإِنْ كُنْتَ مُبَايِناً لِلْقُرْآنِ فَمَا ذَا الَّذِي يَغُرُّكَ مِنْ نَفْسِك ]
« 1 » .
وها هو القرآن يصف لنا واحداً من الموازين الحق التي نستطيع أن نعرف بها أنفسنا : إنه الإنصاف . كيف ذلك ؟ هناك من يرى في نفسه أنه الحق فيعامل الناس على هذا الأساس ، فلذلك يغش ويسرق ويستولي على حقوق الآخرين ، وعلامة هذا الفريق من الناس أنهم إذا أرادوا استيفاء حق من حقوقهم من الناس أخذوه وافيا ، وإذا طلب منهم أداء حق للناس انتقصوا منه ، ويجري هذا في كافة شؤون حياتهم . إن لهؤلاء الويل لأنهم ليسوا منصفين وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ . قالوا : الويل بمعنى : الشر والحزن والعذاب أو الهلاك ، وهو بمعنى اللعنة ، أما المطفف فإنه من الطف أي جانب الشيء ، والتطفيف تنقيص الشيء من جوانبه . وقال بعضهم : الويل واد في جهنم يجري فيه صديد أهل النار .
[ 2 ] من هم هؤلاء المطففون ؟ هناك مثل بارز لهم في أولئك الذين ينقصون المكيال لغيرهم ، أما إذا اكتالوا لأنفسهم أخذوا حقهم وافيا الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ . قالوا : عَلَى هنا بمعنى اللام ، ويبدو لي أن على تعطي هنا أيضا ظلالها العام الذي يوحي
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 75 ، ص 162 .