تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
الحساسة من الزمن بالطبق ؛ لأنهم تصوروا الزمان طبقات كما الأرض طبقات أو العمارة طوابق ، فسموا كل مرحلة طبقا ، كما سموا كل طبقة من الأرض أو طابق من البيت ، ولذلك قالوا : أتاني طبق من الناس أو طبق من الجراد ، أي جماعة كأنهم قسم من الناس ، وطبقة منهم ، ومشهور في أدبنا اليوم مصطلح الطبقات الاجتماعية ، ويسمى القرن من الزمان أيضا طبقا ، كما قال العباس في مدح النبي صلى الله عليه وآله « 1 » :
تنقل من صلب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق
ويقال لهزيع الليل وطرف النهار طبق ، فيقولون مضى طبق من الليل أو طبق من النهار . وإذن فإن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان يتدرج في طبقات الزمان ، ومراحله ، وتحولاته طبقا بعد طبق . بلى ، إنه لا يملك التحولات الكبيرة التي تجري عليه . بالرغم من وجود هامش بسيط من الاختيار عنده ، فهو يولد في عصر لا يختاره ، وفي مصر لم ينتخبه ، ومن والدين قُدِّرا له دون دخل له فيهما ، وعشرات التقديرات الحتمية تصوغ حياته دون أن يكون له فيها صنع ، ثم يتحول من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى خلق سوي ، يولد ليجتاز سبعة وثلاثين مرحلة منذ الرضاعة حتى يكون هرما فيموت ، حسب الأسماء التي وضعتها العرب لمراحل حياة البشر . وخلال هذه الفترة يتقلب عبر المرض والعافية ، والفقر والغنى ، والخوف والأمن ، والجوع والشبع ، وترمي به حوادث الزمان من حزن إلى سرور ، ومن قلق إلى سلام ، ومن شدة إلى رخاء وهكذا . . وقد تحمله الدواهي من أرض لأرض ، ومن قوم إلى قوم ، ومن دين إلى دين . إن كل هذه التحولات جزء من الكدح الذي كتب على الإنسان في هذه الدنيا ، ولكنها لا تنتهي بالموت فما بعد الموت أعظم وأدهى . وهكذا نقرأ في رواية مأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله طائفة من هذه المراحل التي يمر بها الإنسان . فقد روي عن جابر أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : [ إِنَّ ابْنَ آدَمَ لَفِي غَفْلَةٍ عَمَّا خَلَقَهُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ، إِنَّ اللهَ لَا إِلهَ غَيْرُهُ إَذَا أَرَادَ خَلْقَهُ قَالَ لِلْمَلَكِ : اكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَثَرَهُ ، وَأَجَلَهُ ، وَاكْتُبْ شَقِيًّا أَوْ سَعِيْداً ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ ذَلِكَ المَلَكُ ، وَيَبْعَثُ اللهُ مَلَكاً آخَرَ فَيَحْفَظَهُ حَتَّى يُدْرِكَ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ . فَإِذَا جَاءَهُ المَوْتُ ارْتَفَعَ ذَانِكَ المَلَكَانِ ، ثُمَّ جَاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ عليه السلام فَيَقْبِضُ رُوْحَهُ ، فَإِذَا أُدْخِلَ حَضْرَتَهُ رَدَّ الرُّوحَ في جَسَدِهِ ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ مَلَكُ المَوْتِ ، ثُمَّ جَاءَهُ مَلَكَا القَبْرِ فَامْتَحَنَاهُ ، ثُمَّ يَرْتَفِعَانِ ، فَإِذَا قَامَتْ السَّاعَةُ انْحَطَّ عَلَيْهِ مَلَكُ الحَسَنَاتِ وَمَلَكُ السَّيِّئَاتِ فَأَنْشَطَا كِتَاباً مَعْقُوداً في
هامش
( 1 ) روح المعاني ، الألوسي : ج 15 ، ص 292 .