وَيَصْلَى سَعِيراً نارا مستعرة متقدة ذات أوار ولهب .
[ 13 ] لماذا هذا المصير ؟ لأنه كان في الدنيا مسرورا ، لاهيا عما يراد به ، مستهزئاً بالدعاة إلى الله . إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً والسرور هو إحساس الإنسان بأنه قد بلغ أهدافه . والدنيا غاية علم الكافرين ، ولذلك تراهم يفرحون بما أوتوا فيها ، وتغلق آفاق طموحهم دون الحياة الآخرة ، فلا يقدمون لها شيئا .
[ 14 ] كيف يتجاوز المؤمنون ظاهر الدنيا إلى غيب الآخرة ؟ إنما بإيمانهم بالنشور ، وغيرهم يظن أنه لا يعود . إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ أي يعود إلى الآخرة للحساب . قالوا : الحور : الرجوع ، وقيل : كلَّمتة فلم يحر جوابا : أي ما أرجع قولا ، ولا رد كلاما ، جاء في الدعاء :
[ نَعُوذُ بِالله مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ ]
« 1 » أي من العودة إلى النقصان بعد الزيادة ، وسميت البكرة ب - [ بالمحور ] لأنها تدور حتى ترجع إلى محلها .
[ 15 ] وكان ظنه باطلا . فإنه ليس يحور فقط ، وإنما أيضا يحاسب بهذه من لدن رب بصير بشأنه ، محيط علما بظاهر فعله وغيب نيته . بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً ولأن الإنسان يبرر جرائمه وضلاله عادة ؛ فإن السبيل الوحيد لإصلاحه هو تحسسه برقابة الله عليه ، وأنه بصير بخبايا قلبه أنى برر أو نافق .
[ 16 ] هل راقبت يوما الغروب : كيف تسقط الشمس في الأفق ، وينبسط عليه الشفق ، ويلملم الظلام شمل الطيور في أوكارها ، والوحوش والهوام في بيوتها وجحورها ، والناس في مساكنهم ، وإذا بالقمر يطلع علينا بنور هادئ . إنه مثل للأطوار التي يتحول عبرها الإنسان منذ أن كان نطفة في صلب أبيه ، وإلى أن يضمه التراب في رحمه . إنه في رحلة متواصلة يركب فيها طبقا بعد طبق ، أفلا نؤمن بأننا لسنا مالكي أنفسنا ، وأن من يملك أمرنا أنشأنا لحكمة ، فأين تلك الحكمة لو لم تكن في القرآن ؟ ! أفلا نسجد لربنا حين نتلو آياته ؟ ! حقًّا . . إنها حكمة الخلق التي أشارت إليها الآية الكريمة وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] .
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ لغروب الشمس هيبة في النفوس ، وجلال عظيم ، وإن منظر الشمس حين تغرب يثير فينا أكثر من إحساس ؛ إنه يرسم على الأفق لوحة متحركة ، بارعة الجمال ، ذات ألوان تبهر الألباب ، ولكنه لا يلبث أن يثير فينا الحزن على ينبوع النور الذي بلعه المغيب ولو بصورة مؤقتة ، مما يجعلنا نتساءل : ألسنا نحن أيضا ننتظر الغروب عندما يحين أجلنا . ومتى يأتي الأجل ؟ لا ندري . وأخيرا يصل الإنسان إلى قناعة : لا بد من الرضا بالواقع ؟ تعالوا
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 34 ، ص 200 .