فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ عليه السلام :
فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْكَلَام ؟
. قَالَ : إِجْلَالًا لَكَ وَمَهَابَةً مَا يَنْطِقُ لِسَانِي بَيْنَ يَدَيْكَ ، فَإِنِّي شَاهَدْتُ الْعُلَمَاءَ وَنَاظَرْتُ المُتَكَلِّمِينَ فَمَا تَدَاخَلَنِي هَيْبَةٌ قَطُّ مِثْلُ مَا تَدَاخَلَنِي مِنْ هَيْبَتِكَ . قَالَ عليه السلام :
يَكُونُ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ أَفْتَحُ عَلَيْكَ بِسُؤَالٍ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ .
فَقَالَ لَهُ :
أَمَصْنُوعٌ أَنْتَ أَوْ غَيْرُ مَصْنُوعٍ
. فَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ : بَلْ أَنَا غَيْرُ مَصْنُوعٍ ، فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ عليه السلام :
فَصِفْ لِي لَوْ كُنْتَ مَصْنُوعاً كَيْفَ كُنْتَ تَكُونُ .
فَبَقِيَ عَبْدُ الْكَرِيمِ مَلِيّاً لا يُحِيرُ جَوَاباً وَوَلَعَ بِخَشَبَةٍ كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ : طَوِيلٌ عَرِيضٌ عَمِيقٌ قَصِيرٌ مُتَحَرِّكٌ سَاكِنٌ كُلُّ ذَلِكَ صِفَةُ خَلْقِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ عليه السلام :
فَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَعْلَمْ صِفَةَ الصَّنْعَةِ غَيْرَهَا فَاجْعَلْ نَفْسَكَ مَصْنُوعاً لِمَا تَجِدُ فِي نَفْسِكَ مِمَّا يَحْدُثُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ .
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ : سَأَلْتَنِي عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَسْأَلْنِي عَنْهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ وَلَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ بَعْدَكَ عَنْ مِثْلِهَا ] « 1 » ، . . . إلى أن اعترف أخيرا بأن له صانعا . . . والحديث طويل أخذنا الشاهد منه .
وقد صاغ المتكلمون الحجة التالية من هذه الحقيقة فقالوا : العالم متغير ، وكل متغير حادث ، فالعالم حادث . حقًّا إن تطورات الخليقة من حولنا ، وتطورات حياتنا ، وتقلبنا حالا بعد حال ( طبقا عن طبق ) أفضل سبيل لمعرفة الرب وحكمة خلقه لنا ، ولكن ليس كل الناس يسلكون هذا السبيل لأن بعضهم تراه يكذب ويبني حياته على أساس التكذيب ، فلا تنفعه الحجج ولا المواعظ والعبر . فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وتأتي هذه الآية في سياق بيان تلك الحقائق المفزعة لعلها تنفض من فؤاد الإنسان رواسب الغفلة والتهاون .
[ 21 ] حين يتصل قلب الإنسان بشلال النور لا تملك جوارحه إلا الاستجابة لمؤثرات الوحي ، فأي قلب واع لا يخضع لهذا الوحي الذي كاد يصدع الجبال الراسيات ، أم أية جبهة لا تخر ساجدة على التراب أمام هذه الصعقات المتتالية التي تنبعث من ضمير القرآن . وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ قالوا : السجود هنا بمعنى التسليم والخضوع للقرآن ، وقال بعضهم : إنه السجود المعهود الذي ينبأ عن التسليم النفسي ، وقد اعتبر أئمة أهل البيت عليه السلام السجود عند قراءة هذه مندوبا .
[ 22 ] أنى كانت الحجج الإلهية بالغة فإن الجاحد يظل يعاند ويكذب ، لأنه قد قرر سلفا عدم التصديق بها ، لذلك فإن موقفه لا يعكس ضعفاً في الحجة بل انحرافا في نفسه . بَلْ الَّذِينَ
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ، ص 75 .