تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
نرجع إلى بيوتنا . وقال المفسرون عن الشفق : إنه امتزاج ضوء النهار بظلام الليل ، وقيل : إن أصل الشفق الرقة ، وإنما سمي المغيب بالشفق لأنه ينتشر في الأفق ضياء رقيقا . وقالوا عن ( لا ) في فَلا أُقْسِمُ : إنها زائدة للتأكيد ، وقيل : بل معناها تعظيم الشفق أن يقسم به ، أو تعظيم الحقيقة حتى لا تحتاج إلى قسم ، وقد سبق منا : أن النفي هنا يفيد تأكيد معنى القسم لعدم الحاجة إليه . [ 17 ] وبعد أن يلملم الشفق بقايا خيوط الضياء ، يسوق ظلام الليل الناس ليهجعوا ، والأشياء لتنكمش ، ذلك أن الضوء يبسط الطبيعة ، في حين أن الظلام يجمعها . . أرأيت أسراب الطيور عند الشفق كيف تعود إلى أوكارها ، وقطعان الأنعام تروح إلى مرابضها ، والناس أيضا يعودون إلى دورهم ومساكنهم ؛ إنه منظر رائع حقًّا . وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ قالوا : الوسق : الجمع ، وطعام موسوق أي مجموع . [ 18 ] ويطلع القمر ، ويندفع إلى كبد السماء ، ويتجلى بنوره الفضي كسفينة من فضة تسير في بحر من الظلام ، ويبعث من أفق السماء بنوره الهادئ فوق الآجام والروابي بما لا يزاحم نوم النائمين ، وفي الوقت ذاته يكون سراجا للسارين ليلا وأنيسا للشعراء والوالهين ، وآية مبصرة لمن يحيي الليل من المتهجدين . وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ قالوا : [ اتسق : مشتقة من الوسق ، بمعنى تجميع أطراف الشيء مما يوحي بكماله ] ، وقالوا : [ إنه كناية عن القمر عندما يكتمل بدرا ] . ويبدو لي أنه أعم منه والمراد من اتساقه ارتفاعه في كبد السماء ، وبعيدا عن كدر الأفق ، والله العالم . [ 19 ] إن الإنسان ينتقل من حال إلى حال . . تلك هي الحقيقة التي لا بد أن يعيها الإنسان بعمق ، وإلا فإنه يخشى عليه أن يضل سبيله . لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ما هو المراد من الطبق ؟ قالوا : الطبق في اللغة بمعنى الحال ، ثم ساقوا أمثلة لذلك ، فذكروا أن الدواهي تسمى أم طبق ، وبنات طبق ، واستشهدوا بقول الشاعر :
الصبر أحمد والدنيا مفجعة * من ذا الذي لم يذق من عيشه رنقا إذا صفا لك من مسرورها طبق * أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا
ويقول الأقرع بن حابس « 1 » :
إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره * وساقني طبق منه إلى طبق
ولعل أصل معنى الطبق التطابق ، وإنما سميت التحولات الأساسية والمنعطفات
هامش
( 1 ) روح المعاني ، الألوسي : ج 15 ، ص 290 .