حينما نموت وترعرعت واجهت ألوان الضغوط الجسدية والنفسية . ودخلت معترك الحياة التي كلها صراع وصعوبات . إن كل هذه ألوان من الكدح في حياة الإنسان . ولكن يا ليت كانت هي النهاية ؟ كلا . . بعد كل ذلك يأتي يوم اللقاء مع من ؟ مع رب العزة ، ولم ؟ للسؤال ، وفي أي يوم ؟ في يوم الطامة .
إن كل ذلك يجعلنا ننظر إلى أنفسنا باحترام بالغ . إنها ليست كالشجرة التي تنبت في مزرعتنا ثم تمضي لشانها بعد عمر محدود دون عناء التحديات ، وليست كالأنعام أو أي حي آخر يمضي دورته الحياتية برتابة ودون تحديات أو كدح . إنها النفس التي أكرمها الله وسخر لها الشمس والقمر وما في الأرض جميعا ، ولهدف عظيم . إن ذلك الهدف هو لقاء الرب للمحاكمة فالجزاء ، وهذه الحياة بما فيها من كدح شاهد على ذلك المصير بما فيه من جزاء . فَمُلاقِيهِ وإذا كانت الحياة سلسلة متواصلة من الكدح والنصب فلماذا السرور واللهو إذن ؟ ولماذا يبيع الإنسان الآخرة بالدنيا ما دمنا جميعا كادحون . أهل الصلاح والمفسدون كل في طريقه ؟ ولعل المفسد يتعرض لكدح أكبر ، لأنه يفقد أمل المستقبل وتوكل المؤمن على ربه ، ويبدو أن الإمام زين العابدين يشير إلى ذلك حين يقول فيما روي عنه :
[ الرَّاحَةُ لَمْ تُخْلَقْ فِي الدُّنْيَا وَلَا لِأَهْلِ الدُّنْيَا ، إِنَّمَا خُلِقَتِ الرَّاحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَلِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَالتَّعَبُ وَالنَّصْبُ خُلِقَا فِي الدُّنْيَا وَلِأَهْلِ الدُّنْيَا ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْهَا حَفْنَةً إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الْحِرْصِ مِثْلَيْهَا ، وَمَنْ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ كَانَ فِيهَا أَشَدَّ فَقْراً ؛ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى النَّاسِ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِ وَيَفْتَقِرُ إِلَى كُلِّ آلَةٍ مِنْ آلَاتِ الدُّنْيَا ، فَلَيْسَ فِي غِنَى الدُّنْيَا رَاحَةٌ وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ يُوَسْوِسُ إِلَى ابْنِ آدَمَ أَنَّ لَهُ فِي جَمْعِ ذَلِكَ رَاحَةً وَإِنَّمَا يَسُوقُهُ إِلَى التَّعَبِ فِي الدُّنْيَا وَالْحِسَابُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ . ثُمَّ قَالَ عليه السلام : كَلَّا مَا تَعِبَ أَوْلِيَاءُ الله فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا بَلْ تَعِبُوا فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ ]
« 1 » .
[ 7 ] وشتان بين لقاء المؤمن ربه وغيره . إن المؤمن يلقى ربه ليستلم جائزته بيمينه فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ .
[ 8 ] يأخذه بفرح بالغ . لقد انتهى الكدح وإلى الأبد . إنها ولادة جديدة ، ومستقبل زاهر . فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً فالحساب لا بد منه لكل إنسان إلا عدد محدود من الصدِّيقين والصابرين ، بيد أن حساب أصحاب اليمين يسير ، فإذا مروا بحسناتهم قبلت . وإذا وجدوا بينها هفوات غفرت ، ولكن الحساب العسير يعني عدم قبول حسناتهم ، وعدم التجاوز عن سيئاتهم . وفي الخبر المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله :
[ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللهُ حِسَاباً يَسِيراً وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ .
قَالُوا : وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :
تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ ،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 70 ، ص 92 .