أسوة المؤمنين ، وهكذا تتحول حياة الأنبياء أسوة حسنة للأجيال المؤمنة من بعدهم ، ويتعزز دور إبراهيم عليه السلام والذين معه بوصفهم أسوة للمخاطبين بهذه السورة حينما ندرك ظرف نزولها في المدينة حيث تحولت الأمة الناشئة إلى مجتمع مستقل ، وذي قوة لا يستهان بها ، فإذا قسنا ذلك الظرف بما عاشه المؤمنون في عهد إبراهيم كانت المسافة عريضة ، حيث قاطع إبراهيم والمؤمنون معه تلك الفئة القليلة المستضعفة مجتمع الشرك مقاطعة جذرية شاملة ، فكيف يزعم البعض من مؤمني المدينة ومن كان مثلهم أن مقاطعة الكفر غير ممكنة ؟ ! كلا . . أولئك أسوة لنا وحجة علينا .
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ لماذا عبر القرآن الحكيم بهذه الصيغة مع تأكيد على شخص إبراهيم ، وكان من الممكن أن يقول تعالى : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في المؤمنين على عهد إبراهيم ) ؟ ربما ليؤكد على دور القائد إبراهيم عليه السلام لأنه هو الأسوة أولا وإنما المؤمنون أتباع له ، وهذا تأكيد من قبل الله على الدور الريادي للإنسان الفرد في التاريخ .
وهذا هو أبو الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون معه يعلنون موقفهم الحازم والراسخ تجاه قومهم المشركين وضد قيمهم الضالة ، لم تثنهم قلتهم ، ولم تلجئهم الضغوط إلى الركون والخضوع لهم .
إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وبذلك تحدوا الأشخاص والمبادئ معا لما ينطويان عليه من الضلال ، وكم يكون الأمر صعباً والتحدي مكلفا إذا كان المتبرئون هم الأقلية الضئيلة ، ذلك أن العزلة عن الآخرين مكلفة حتى ولو كان من الأكثرية للأقلية ، فكيف بالعكس ؟ ! بلى ؛ إنهم أعلنوا البراءة من قومهم ، وهجروهم ، واشتروا ألوان المحن بقيمة تحديهم ، وصبروا على الحق ، وهكذا ينبغي للإنسان الحر أن يختار طريقه ، بعيداً عما يجد عليه قومه ومجتمعه ، وبالذات المؤمن الذي يعتبر الحق هو المقياس الأول والأخير . ولعل القول : إِذْ قَالُوا لا يعني مجرد الكلام ، إنما يشمل كل ما من شأنه التعبير عن موقفهم وبراءتهم ماديًّا ومعنويًّا ، فلقد أعلنوا بكل الوسائل براءتهم منهم . .
كَفَرْنَا بِكُمْ فلا نؤمن بنهجكم في الحياة ، ولا نتخذكم مقياسا لمعرفة الحق والباطل ، والكفر بالباطل هو الوجه الآخر لولاء الحق ، وقد أكد الله ذلك في قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا [ البقرة : 256 ] ، ويجب ألَّا يكتفي المؤمنون بمجرد الكفر الباطن ، إنما ينبغي ترجمة ذلك عمليًّا في واقع الحياة ، كما كان إبراهيم عليه السلام والمؤمنون معه .
من هدى القرآن — صفحة 417
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤١٧