تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
الثاني : التفسير الذي نختاره حيث نعتبر اللقطة مما يتأسى به في حياة إبراهيم عليه السلام ولكن الوحي استثنى لإلفات الأنظار إلى هذه اللقطة وعلاجها ، بالذات وأن فهمها الخاطئ قد يجر المؤمنين إلى سلوكات خاطئة في علاقتهم مع أعداء الله ، كأن تكون مبررا لموادة الأرحام منهم وموالاتهم ، فإن إبراهيم عليه السلام حينما وعد عمه آزر بالاستغفار واستغفر له لم يكن قد أظهر عداوته لله ، إنما كان ظاهره الشرك الموروث ، أو العداء الشخصي الموجه ضد إبراهيم نفسه ، أو لعل آزر كان في بيئة الحنفية كما هي أسرة إبراهيم عليه السلام ولكنه انهار أمام ضغط المجتمع ، وصار إلى الشرك شيئا فشيئا حتى تمحض في الضلال عن الحق والعداء لله ولإبراهيم عليه السلام ، وإلا فالاستغفار للمشركين محظور حتى على الأنبياء ، قال تعالى : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [ التوبة : 113 - 114 ] . من هذه الآية يظهر أن الاستغفار له قبل أن يتبين موقفه النهائي جائز ، ويتأول إلى طلب هدايته ، كما كان الرسول صلى الله عليه وآله يطلبها لقومه بقوله : « اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ » « 1 » ، أما إذا تبين موقف المشرك وأنه قد أصبح من أصحاب النار بجحوده وإنكاره فإن الواجب يومئذ البراءة منه بصراحة . كما أن الاستغفار ليس بمعنى التحتيم على الله سبحانه حيث قال إبراهيم عليه السلام : وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ولم يكن إبراهيم عليه السلام والذين معه أقوياء وأشداء ، حتى لا تكون البراءة بالنسبة إليهم تحدِّياً صعباً ، إنما كانوا في غاية الضعف ماديًّا ، ولذلك جأروا إلى الله في لحظة البراءة ، وأساسا الدعاء الحقيقي إنما ينطلق من الإنسان عند الإحساس العميق بالحاجة إلى العون رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا والإنابة هي الرجوع والاستغفار ، وفي هذه الكلمة إشارة إلى أن المؤمنين لا يتركون الضلال والمجتمع الفاسد إلى الفراغ ، إنما إلى بديل إيجابي هو الهدى وتجمع المؤمنين ، فإن إبراهيم والذين معه تبرؤوا من قومهم المشركين ليرجعوا إلى ربهم ، وذلك يوحي بأن الذي يهجر مجتمعا منحرفا بحاجة إلى التطهر بالتوبة إلى ربه ، والرجوع إلى صراطه المستقيم ، ونهجه القويم في الحياة . . وبعد التوكل على الله والعودة إليه يجب على المؤمن أن يكمل ذلك بالتسليم المطلق لإرادته ، والقبول بما يرضاه له وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . [ 5 ] ولكن لا يعني ذلك ألَّا يسأل المؤمنون ربهم السلامة رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 11 ، ص 298 .