تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
أما لو انعكست الموازين لصالحهم فلن يدَّخروا جهدا في إبداء الحقد والعداوة . وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ يعني بألوان الأذى المادي كالقتال والتنكيل ، والمعنوي كالحرب الإعلامية ، وقد نزلت هذه الآيات في المدينة بعدما قويت شوكة المؤمنين ، لذلك يفترض تعالى تمكن المشركين منهم افتراضا ، ويعزز صدق قوله عز وجل أنهم أخرجوا الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنين من قبلُ من بلادهم مكة حيث كانوا أقوياء . كما أن الأعداء لا يعترفون بأن المؤمنين أمة مميزة ، بل تجدهم يسعون إلى إعادتهم إلى ربقة الكفر وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ هكذا يكشف الوحي طبيعة الأعداء ، ولعلنا نستفيد من الآية أن موالاة الكفار ومودتهم تنطوي على خطر عظيم قد يقع فيه من يفعل ذلك وهو الكفر بالله سبحانه . ثانياً : ثم إن المؤمن الحق هو الذي يعتبر الإيمان بالآخرة والتفكير فيها حجر الزاوية في سلوكه ، والصراط المستقيم سَوَاءَ السَّبِيلِ هو أن يقدم الإنسان على ما ينفعه في الآخرة ، وليس نفع المؤمن ولاؤه للكفار إذ تتلاشى يومئذ كل الروابط غير الإيمانية . لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ وهم أقرب الناس إلى الإنسان فكيف بالآخرين ؟ والسبب أنه لا تبقى صلة بين الناس لأنها مُتأسِّسة على الإيمان بالله واليوم الآخر ، أما الأخرى المصلحية والعاطفية فهي محدودة وتنتهي عند حدودها . يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وهنالك يتضح الانفصال الحقيقي بين المؤمنين والكافرين ، وبين الأرحام ، وبين الآباء والأولاد ، ويحذر الله من طرف خفي من أن المناورة لا تنفع في الالتفاف على أحكامه وحكومته ، كأن يود المؤمن أحدا من الكفار أو يتولاه ثم يبرر هذا الانحراف بأنه رحم أو ما أشبه وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . ثالثاً : إن سواء السبيل هو خط الأنبياء والذين آمنوا ، وقد تبرؤوا من أعدائهم وعادوهم ، وبغضوهم لوجه الله ، وقد ضرب أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام والمؤمنون معه المثل الأعلى في هذا الجانب فأصبحوا خير أسوة على امتداد الزمن ، فإنهم لم يقطعوا حبل المودة والولاء عن الأبعدين وحسب ، بل قطعوها عن أقرب الناس إليهم وهم قومهم وأرحامهم وآباؤهم . لقد كان إبراهيم عليه السلام يتيما يحتاج إلى الحماية الاجتماعية والاقتصادية ، ولكنه لم يخضع لعمه آزر طمعا في شيء من ذلك ، بل مضى قدما على نهجه الحنيف ، فلم يتحدَّ الكفار اعتمادا عليه ولا على قومه ، بل تحدى قومه بدءا من عمه ، وتحدى كل الشرك بدءا من قومه ، فأصبح