تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
كَفَرُوا أي موضع ابتلائك لهم ، كناية عن أذاهم للمؤمنين ، فإنهم إذا تمكن الكفار منهم عذبوهم ، وأظهروا تجاههم عداوتهم للحق ، كما صنع الظلمة بأصحاب الأخدود . وتبقى نفوس الصالحين توَّاقة إلى التوبة وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وهذا الوله إلى التوبة ينطلق من شعورهم بالتقصير في جانب الله عز وجل ، وعدم بلوغهم حد الإشباع في التسليم له . ومن الناحية الواقعية لا يضمن المؤمن عدم الوقوع في الأخطاء مئة بالمئة ، لذلك يجعل التوبة ذريعة لتصحيحها واتقاء سلبياتها . أما نهاية الآية فهي غاية في أدب الدعاء حيث لا يصح أن يحتم الداعي على ربه ما يريد ، إنما يدع الإجابة رهن مشيئته ، فإن شاء استجاب لهم بعزته ، وإن شاء لم يستجب لهم بحكمته ، فإنه قادر على نصرة المؤمنين ومنع الكافرين عن أذاهم بعزته ، كما أنه قد يجعلهم فتنة للكافرين بحكمته . وليس من تناقض بين حكمة الله وعزته . والمؤمن الحقيقي هو الذي يسلِّم مصيره لربه مهما كان قضاؤه . [ 6 ] وفي خاتمة الدرس يؤكد القرآن دعوته للاقتداء بإبراهيم عليه السلام والمؤمنين معه ، ليكشف لنا أهمية التبري من المشركين ، وضرورة الأسوة في مسيرة الإنسان المؤمن . لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فليس المهم أن يختار الواحد أسوة في الحياة وحسب ، بل الأهم أن ينتقي أحسن الأسوات وسنامها ليقتدي بها ، وإبراهيم والمؤمنون معه خير أسوة لمن أراد البراءة الحقيقية من أعداء الله ، ولكن دون التأسي بهم ألوان التحديات والمصاعب التي تحتاج مقاومتها إلى الإرادة الصلبة والاستقامة ، وكل ذلك يستمده المؤمن من إيمانه بربه وبالجزاء لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ ناصراً يتوكَّل عليه ، ووليًّا يُنيب إليه ، وَالْيَوْمَ الآخِرَ حيث يلقاه وعنده يجد رضاه وما يرضيه من الجزاء والثواب ، وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ لا يحتاج إليه ، الْحَمِيدُ ، وفي الآية إنذار مبطن لمن يتولى بأنه الذي يخسر ، وليس الله سبحانه . وكلمة أخيرة : إن صراع إبراهيم مع عمه آزر - والذي يشير إليه الوحي في بعض السور - لم يكن صراعاً شخصيًّا بين الأجيال ، إنما كان صراع المبادئ ، لذلك نجد أنه عليه السلام كان يودُّ بحلمه وقلبه الواسع لو يرى عمه مؤمنا ، وهذه من اللقطات الحساسة في حياة الأنبياء عليهم السلام .