يريد الله له العزة وبالذات من تعرض لأذى الكفار والظلمة كالتهجير والاعتقال أن ينسى جراحه ، ويود عدوه .
ثالثاً : لأن موادتهم نقيض لأهم قيمتين عند المؤمنين وهما الجهاد في سبيل الله ، وابتغاء مرضاته . بلى ؛ الجهاد لإعلاء كلمة الله ، وتحرير البلاد والعباد من ربقة الجبت والطاغوت هو صبغة العلاقة بين المؤمنين وأعداء الرسالة ، وهو بحاجة إلى الشدة منهم ، في حين أن حبهم وتوليهم يفرغ الجهاد من هذه الروح ، ثم لماذا موادتهم وتوليهم ، هل لنيل رضاهم فإن ذلك لا يرضي الله عز وجل ؟ لأن السبيل إلى رضاه باتجاه مناقض تماما لسبيل رضا أعدائه ، كما تشير الآية إلى ذلك في نهايتها .
إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي وينطوي هذا المقطع على بيان عميق لمعنى الهجرة في سبيل الله عز وجل في مفهوم القرآن ، حيث تعني الانقطاع التام عن الأعداء ، وهجرتهم ماديًّا ومعنويًّا أوليس مقياس المؤمن هو الدين ، يحب عليه ، ويبغض عليه ، حتى ورد عن الإمام الصادق عليه السلام :
« كُلُّ مَنْ لَمْ يُحِبَّ عَلَى الدِّينِ ولَمْ يُبْغِضْ عَلَى الدِّينِ فَلَا دِينَ لَهُ »
« 1 » .
وحيث يريد الله أن يستخلص قلوب المؤمنين له وحده نهاهم بصورة غير مباشرة حتى عن مجرد المودة الخفية التي يلقيها إليهم بعيدا عن علم الآخرين ، وذلك ببيان إحاطة علمه بها .
تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وعبثا يظن بعض الناس بأن موادة الأعداء تصير به إلى مصلحة حقيقية في الدنيا أو في الآخرة ، كلا . .
وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ يعني النهج والطريق السليم الذي يوصل الإنسان إلى أهدافه ومصالحه ، فإن ذلك في اتباع كتاب الله وتولي أوليائه ، وليس في موادة أعدائه .
[ 2 - 4 ] ويبين القرآن كيف أن من يواد الأعداء أو يتولهم يضل سواء السبيل :
أولًا : لأن موادتهم لا تغير شيئا من عدائهم المبدئي للمؤمنين ولدينهم ، فلربما تظاهروا بحب المؤمنين ولكنهم يكنون العداء لهم ، ويستهدفون القضاء على الحق وأهله ، فهم لو غلبوا المؤمنين أذاقوهم ألوان العذاب .
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً والآية توحي بأن الكفار يسعون للتسلط على المؤمنين والظفر بهم ، وأنهم إنما يتظاهرون بقبول المودة ما دام المؤمنون نِدًّا لهم في القوة أو أقوى منهم ،
هامش
( 1 ) الكافي ، ج 2 ، ص 127 .