بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [ المجادلة : 22 ] .
ولم يقتصر القرآن على بيان عداوة أولئك لله ، بل أثبت عداوتهم للمؤمنين ، مع أن المحور هو العداوة لله ، وأن كل عدو له هو عدو للمؤمنين به ، وذلك ليؤكد عداوتهم العملية والمباشرة لهم ، والتي تظهر في مواقفهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية من المؤمنين ، كإخراجهم الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنين من بلادهم والمشار إليه في الآيات : ( 1 ، 8 ، 9 ) ، فإن العدو لله عدو للمؤمنين ، ولكنه قد لا يجد سبيلًا للتعبير عمليًّا عن عداوته لهم ، إنما يحفظها ضغائن في صدره . والمؤمن قد يُلقي بالمودة للأعداء نتيجة العواطف أو الانهزام النفسي تجاههم ، وسواء هذا أو ذاك فإنه نوع من الضعف النفسي الذي ينبغي التعالي عنه . ولعل الباء في قوله : بِالْمَوَدَّةِ جاءت بمعاها الحقيقي على أن يكون المفعول لقوله : تُلْقُونَ متروكا ليفيد الإطلاق ، فلا يجوز إلقاء أي شيء بسبب المودة ، فلا يجوز السلام بالمودة ، ولا الكلام بالمودة ، ولا التعاون بالمودة ، ولا أي شيء آخر بالمودة ، بلى ؛ قد يجوز كل ذلك للضرورة أو المصلحة ، وليس بالحب والمودة ، والله العالم .
ولكن لماذا كل ذلك ؟ للأسباب التالية :
أولًا : الصراع المبدئي بينكم وبينهم .
وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ فهم لا يعترفون بالأمة الإسلامية وحقها في الوجود ، لأن الاعتراف بأي مجتمع يبدأ من الاعتراف بقيمه ومبادئه وقد كفروا بهما حينما كفروا بالرسالة الإلهية ولا ريب في أن هذا اللون من الكفر ينطوي على التحدي والعداء ، بل هو استهزاء بمقدسات المؤمنين ، فهل يصح بعدئذ للمؤمن أن يوادهم ؟ كلا . .
ثانياً : محاربتهم للقيادة الرسالية وللمؤمنين ، عداوة لله ، وترجمة عملية لصراعهم مع الحق .
يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إنهم لا يريدون إلا الباطل الذي يبرر وجودهم ، ويوصلهم إلى شهواتهم ، وهذا هو السبب لمحاربتهم المؤمنين ، وليس ما تعكسه وسائل إعلامهم من ضلالات يبررون بها بغيهم وفسادهم ، وليس بالضرورة أن يبادر الظلمة إلى اعتقال المؤمنين وطردهم من بلادهم مباشرة ، إنما يصطنعون أجواء الكبت والإرهاب التي تضطرهم إلى الهجرة . وتسال : لماذا يلجأ الظلمة على مر التاريخ لإخراج المؤمنين من بلادهم ؟ والجواب : لأنهم يخشون أن يستجيب المجتمع لمبادئهم الحقة ، ويتبع قيادتهم ، وينتمي إلى تجمعهم ، وبالتالي يصيرون بديلا عن أنظمتهم الفاسدة وقيادتهم . ولا ينبغي للمؤمن الذي
من هدى القرآن — صفحة 414
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤١٤