وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ هذه هي الصورة الحقيقية والسليمة التي يجب أن تكون عليها علاقة المجتمع المؤمن بأعداء الله عز وجل ، متمثلة في إعلان العداء على الاستمرار ، لا تقطع ذلك عاطفة ولا شهوة أو مصلحة أَبَداً .
بلى ؛ إذا اهتدى المشركون والضالون إلى الإيمان بالحق ، لا يبقى بعدئذ مبرر لموقف البراءة ( الكفر ، إظهار العداوة والبغضاء ) ، ذلك أن المؤمن لا يعادي أحدا لعنصرية أو قومية أو بسبب أحقاد متوارثة أو مصالح متضاربة ، إنما تقوده المبادئ في كل مواقفه ، وكما يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام في صفته :
« قَدْ أَمْكَنَ الكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ ، وَيَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ »
« 1 » .
حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وهذا المقطع يفسر قوله تعالى في [ الآية : 7 ] : * عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً بأن المودة بين المؤمنين والأعداء تكون إذا آمن أولئك ونبذوا الأنداد والضلال أو سلَّموا لقيادة المؤمنين .
ثم يستثني القرآن لقطة واحدة من حياة إبراهيم عليه السلام يعالجها ويرفع ما حولها من غموض ، فيقول : إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ .
ولهذه الآية تفسيران :
الأول : أن تكون هذه اللقطة من حياة إبراهيم عليه السلام مستثناة من عموم التأسي ، فلا ينبغي لمؤمن أن يأتم به فيها . قال بعضهم ذلك ، وبرر بأحد الأمرين :
1 - أن الله سبحانه قد خص بذلك إبراهيم عليه السلام وأمره به لأسباب يعلمها ولمدة محدودة ، كما أجاز لنبيه صلى الله عليه وآله الزواج بأكثر من أربع ، حيث إن إبراهيم عليه السلام لم يقف عند حدود الوعد بل استغفر له ، قال تعالى يحكي عنه : وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ [ الشعراء : 86 ] .
2 - أو لأن القرآن يشير بعض الأحيان إلى التراجعات التي تحدث في حياة الأنبياء لكيلا يتحولوا إلى آلهة في نظر المؤمنين بهم وأتباعهم ، بالذات وأن هناك سابقة في الاستغفار عند النبي نوح عليه السلام حيث قال : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ( 45 ) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ [ هود : 45 - 46 ] .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة 87 .