وإذا كان كذلك كَفّرَ وعاد إلى أهله « 1 » .
أما الاحتمال الثاني الذي اختاره الفخر الرازي فقد مَهَّد له أولا بما حكاه عن الفَرَّاء أنه قال : لا فرق في اللغة بين أن يقال : يعودون لما قالوا ، وإلى ما قالوا وفيما قالوا ، قال أبو علي الفارسي : كلمة إلى واللام يتعاقبان كقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [ الأعراف : 43 ] ، وقال : فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 23 ] ، وقال تعالى : وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ [ هود : 36 ] ، وقال : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [ الزلزلة : 5 ] .
ثم قال : قال أهل اللغة : يجوز أن يقال : عاد لما فعل ، أي فعله مرة أخرى ، ويجوز أن يقال عاد لما فعل ، أي نقض ما فعل . وهذا الكلام معقول ، لأن من فعل شيئا ثم أراد إبطاله فقد عاد إليه لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعود إليه « 2 » .
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ولعل الذكر أعرض عن ذكر خيار الطلاق تأكيدا على ترجيح العودة ، مما يدخل في سياق الحفاظ على الأسرة ، ولا تجوز العودة إلى المعاشرة الجنسية إلا بعد التكفير ، وهذا الشرط يذيق الإنسان جزاء اللجوء إلى عادة الظهار .
ومن حكمة الله ودقة تشريعه أنه فرض كفارة في علاج مشكلة الظهار ، هي بحد ذاتها علاج لمشكلة أخرى هي الرقيق أو المسكنة ، إذ أوجب حكماً أوليَّا مقدماً على غيره أن يكفر المظاهر عن نفسه بتحرير رقبة مملوكة قبل أن يجامع زوجته ، وهذا الأمر يوجه الشهوة الجنسية بوصفها دافعاً قويًّا للإنسان نحو فعل الخيرات . ويلاحظ في الإسلام اهتمامه بعلاج مشكلة الرق في كثير من المواضع والأحكام بصورة الفرض تارة وباعتبار ذلك الخيار الأقوم تارة أخرى .
ولعل قائلا يقول : ولماذا يفرض هذه العقوبة الثقيلة جزاءً لموقف يتلخص في كلمات قليلة ( هي صيغة الظهار ) ؟ ولكن لنعلم أن العلاقة الزوجية ليست أمراً هيِّناً ، إنما هي مهمة ويجب أن يحيطها الإسلام بسور لا تخرقه الأهواء والنزوات العاجلة ، فهي مرتكز المجتمع ، ومدرسة الأجيال الناشئة ، كما وإن التجربة الحضارية للأمة تتركز فيها ، فلا يجوز إذن الاعتداء على حرمتها وهدمها من أجل الشهوات والانفعالات العابرة .
ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ إنه رادع عملي للوقوف ضد تهديد كيان الأسرة ، والتوسل بالعادات والقيم الجاهلية ، أما الرادع الأهم والذي ينميه الدين في نفوس أتباعه ، ويعتمده في
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 17 ص 281 .
( 2 ) تفسير الرازي : ج 29 ص 256 .