والجواب : إن الإيمان روح في القلب تنميها الممارسة العملية ، وكلما اتبع المسلم رضوان الله زاده الله هدى وإيمانا ، وكلما كان العمل أصعب والإخلاص أنقى كان أنمى للإيمان ، وأجلى للبصيرة والهدى ، ولا ريب أن عتق رقبة ( بما يكلف من إنفاق كبير ) ، وصيام شهرين متتابعين ( بما فيه من صعوبة بالغة ) ، وإطعام ستين مسكينا ( بما فيه من إنفاق ومواساة للمحرومين ) إن كل أولئك ممارسات مستصعبة تمتحن قلب المسلم بالإيمان وتزكيه وتطهره .
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ المفروضة في المجتمع والعلاقات الأسرية ، ولا يحق لأحد أن يتجاوزها .
وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ سواءً أولئك الذين يكفرون بالله وبرسالته وحدوده كفراً محضاً ، أو أولئك الذين يكفرون عمليًّا ، فلا يلتزمون بأوامره ونواهيه ، ولا يقيمون حدوده . ومع أن عذاب الآخرة هو المصداق الأكبر لهذه الآية إلا أنه يحل بالكافرين في الدنيا أيضا ، ذلك أن حدود الله إنما شرعت وفرضت لصلاح المجتمع وسعادته ، فهي التي توقف الظلم والفساد ، وتُحصِّن المجتمع والأسرة منهما .
والحدود ( سواءً العملية الرادعة ، أو التشريعية كالنظم والقيم ) يكمل بعضها بعضا ، وترسم مسيرة المجتمع وتضعه أمام خريطة واضحة محددة ، إذا تحرك على أساسها وصل إلى الإيمان والسعادة ، وإلا انتهى إلى ألوان من العذاب ، النفسي والاجتماعي والحضاري ، لأنها هي التي تحافظ على حقوق الناس وترعاهم ، وتنفذ النظام بينهم . والمجتمع الذي يسوده القانون ويحكمه النظام مجتمع عزيز ، يشعر كل أفراده بكرامتهم وأمنهم وحرمتهم ، وأنهم ما لم يتجاوزوا الحدود لا يمكن لأحد أن يعتدي عليهم ، على العكس من ذلك المجتمع الذي تحكمه الفوضى ، ويكون هوى الأمير أو الرئيس أو الملك هو القانون ، فإنه لا يحس بالأمن ولا يستشعر الكرامة .
هكذا كان فرض الحدود بهدف تحكيم القيم لا الأفراد في المجتمع ، حتى لا تضيع حقوق الناس .
[ 5 - 6 ] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي : يقفون خصما لله ولرسوله ويستخدمون الحديد في ذلك ( أي الحرب الساخنة ) ، وقال البعض : إن أصل الكلمة من الحد بمعنى الفاصل ، ومعناه إذن المواجهة بكل أشكالها حيث يقف المتنازعون كل على حد بإزاء خصمه ، وهذا المعنى أقرب حيث إن المحادة في ضوء السياق الذي أشار إلى حدود الله أن يخالف الإنسان الحدود الإلهية فيختار لنفسه حدودا أخرى تشريعية وعملية ، كالذي يأخذ بالجاهلية وعموم النظم
من هدى القرآن — صفحة 329
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٢٩