من أمه الحقيقية ، وليس الزوجة كذلك ، فهي لا تحرم على زوجها لمجرد الظهار ، لذلك يُسَفِّه ربنا رأي الجاهليين بأنه غير مقبول عند العقل وأنه باطل فيقول : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ والمنكر هو خلاف المعروف الذي يعرفه العقل وَزُوراً والزور هو القول الباطل والحكم الذي لا يستند إلى حق ولا واقع ، قال الله : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [ الفرقان : 72 ] أي الشهادة الكاذبة .
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ يعفو عن المنكر ويغفر الزور لمن تاب وعمل بالإسلام بعد الجاهلية ، فإنه يجب ما قبله ، إذن فالظهار ليس كما يظن الجاهلون لا رجعة بعده ، بلى ؛ ذلك في الجاهلية المقيتة التي لا تقوم إلا على الباطل ، ولا تنتهي إلا إلى تكبيل الإنسان وتحطيمه ، أما دين الله فهو يقوم على الحق ولا يستهدف إلا خيره ورحمته وهداه .
وإذا كانت هاتان الصفتان لله تزرع فينا الأمل والرجاء فإن نزولهما يومئذ لا ريب أخذ فعله الإيجابي الواسع والعميق في نفوس الكثيرين وحياتهم الاجتماعية والأسرية ، حيث وضع عنهم الإسلام إصرا وغلًّا من إصر الجاهلية وأغلالها ، طالما ظلوا في ربقته يشتكون الدمار والأسر ، وبالذات أولئك النساء الضعيفات اللواتي تعلقن وتعقدن بالظهار ، فالرجل من جهته مجاز في الزواج لا يمنعه مانع ، أما هي فيكتب عليها أن تبقى لا تتزوج أحدا غيره ، وتعيش في جحيم .
ولعلنا نفهم من الآية أن للظهار مفسدتين : أحدهما ما يسميه القرآن بالمنكر ، والآخرى ما يسميه بالزور ، فهو من الجهة العملية إثم يهدم الأسرة ، وظلم للنفس وللمرأة وأولادها ، ومن الجهة المعنوية يعد افتراءً على الله وزورا إذ هو تشريع بغير حجة من الله .
[ 3 ] والآن : ما هو الظهار ، وما هو الحل ؟ .
الظهار هو أن يقول الزوج لزوجته : أنت عليَّ كظهر أمي ؛ يقصد بذلك الظهار ، ولا يقع إلا إذا توافرت شروط أهمها من جهة المظاهر أن يكون بالغا عاقلا مختارا قاصدا ، فلا يقع من مجنون ، ولا صبي ، ولا سكران ، ولا هازل ، ولا غضبان ، ومن جهة الزوجة المظاهر منها الطهر من الحيض والنفاس ، وأن تكون في طهر لم يواقعها فيه ، وبحضور شاهدين عادلين يسمعان الصيغة « 1 » ، هكذا جاء في الحديث المأثور عن حمران عن الإمام الباقر عليه السلام قال :
« ولَا يَكُونُ ظِهَارٌ فِي يَمِينٍ ولَا فِي إِضْرَارٍ ولَا فِي غَضَبٍ ، ولَا يَكُونُ ظِهَارٌ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ بِغَيْرِ جِمَاعٍ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ »
« 2 » ، وروي عن زرارة عنه عليه السلام في حديث : [ أَنَّهُ سَأَلَهُ كَيْفَ الظِّهَارُ فَقَالَ :
هامش
( 1 ) للمزيد حول أحكام الظهار ، راجع : ( أحكام المعاملات ) للمؤلف .
( 2 ) الكافي : ج 6 ، ص 152 .