إن الله سمع تحاورهما ، فلماذا لا نراقبه في سرائرنا ، ولماذا نخوض في أحاديثنا مع الخائضين ؟ لماذا لا نجأر إليه عند الشدائد ، أوليس ربنا نعم الرب لنا ، فلماذا لا نصبح نعم العبيد له ؟ ! يقول الإمام الحسين عليه السلام في دعائه المعروف في يوم عرفة :
« وَإِلَى غَيْرِكَ فَلَا تَكِلْنِي ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي إِلَى القَرِيبِ يَقْطَعُنِي أَمْ إِلَى البَعِيدِ يَتَجَهَّمُنِي أَمْ إِلَى المُسْتَضْعِفِينَ لِي وَأَنْتَ رَبِّي وَمَلِيكُ أَمْرِي ، أَشْكُو إِلَيْكَ غُرْبَتِي وَبُعْدَ دَارِي وَهَوَانِي عَلَى مَنْ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي »
« 1 » .
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يحيط بظاهر الكلام بَصِيرٌ ينفذ علمه إلى ما تنطوي عليه السرائر .
والآية تعكس صورة عن مكانة المرأة في الإسلام ، وأنها مع الرجل على حد واحد في علاقتها مع قيادتها الرسالية ، تجادلها في حقوقها ، وتشتكي عند المشاكل لديها ، وتحاورها في مختلف القضايا والمواضيع ، تستمع القول وتبدي الرأي ، باعتبارها مكلفا له حقوقه وعليه واجباته الشخصية ، بل باعتبارها جزءا من الأمة يهمها أمر الإسلام والمسلمين ، وينعكس عليها التقدم والتخلف ، والنصر والانكسار ، فهذا الرسول القائد لا يصد خولة عن التصدي لموضوع الظهار لأنها امرأة ، إنما يستقبلها بصدره الرحب رغم إلحاحها ، وهي تروم الوقوف بوجه مشكلة تهم كل مسلم ومسلمة ، وتتصل بالنظام الاجتماعي للأسرة . وقد تعودت هذه المرأة على هذه الخصلة ، كما تعودت سائر النساء والرجال في العهد الأول ، على ممارسة حريتهم في مواجهة ما كانوا يرونه خطاً ، فقد روي أن عمر بن الخطاب : [ مر بها في خلافته والناس معه على حمار ، فاستوقفته طويلا ووعظته ، وقالت : يا عمر قد كنت تدعى عميرا ، ثم قيل لك عمر ، ثم قيل لك أمير المؤمنين ، فاتق الله يا عمر فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت ، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب ] « 2 » .
[ 2 ] ويعالج القرآن مشكلة الظهار في البدء بنسف التصورات الجاهلية بأن الزوجة تصبح أمًّا لزوجها بمجرد أن يقول لها : [ أنت عليَّ كظهر أمي ] ، وذلك من زاويتين :
الأولى : الزاوية الواقعية ، فالأمومة ليست صفة اعتبارية يمكن إعطاؤها بالكلام كما العقود . إنها ليست كالمال يكون لك فتُملِّكه غيرك هبة أو بيعا أو وراثة ليصير ماله ، إنما هي صفة تكوينية طبيعية يُعبَّر بها عن علاقة شخصين أحدهما والدة والآخر مولود الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ .
الثانية : الزاوية الشرعية ، فالشرع قائم على أساس الواقعيات ، وإنما يحرم زواج الرجل
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 95 ، ص 218 .
( 2 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 249 .