تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
في سبيل الله ما استطاع دون الخوف من الفقر ، ويرجو من الإنفاق زيادة الرزق ، ويقدم على الأمور ، ولا يخشى العقبات والمشاكل ، بل ويرجو من ذلك تسخير الطبيعة في صالحه ، ولذلك فهو قليل الفشل ، لأن الفشل أكثر ما يأتي من خشيته . ومن مظاهر الرحمة أن ليلة القدر فرصة للعباد أن يُسهموا في رسم أقدارهم بالدعاء وتجديد العهد مع الله ، كم هي فرصة لرسم مصيرهم الأخروي . ثم إن رحمة الله لا تنتهي عند حدِّ معيِّن ، إنما تتسع أيضا لحاجات الإنسان المتجددة التي تعكسها دعواته إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الذي يسمع دعاء عباده الْعَلِيمُ بنواياهم ، ثم يستجيب لهم أولا يستجيب لحكمة يعلمها . [ 7 - 8 ] وربُّنا هو ربُّ الكون بأسره ، ولكن بعض الناس يشرك به ، ويقسم الخليقة على آلهة شتى ، وهذه النظرة الضالة للحياة ليس سببها عدم ظهور آيات الربوبية في الكون من حولهم ، وإنما لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى المعرفة العميقة واليقين رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بلى ؛ إن الموقنين هم الذين ينظرون للحياة نظرة توحيدية خالصة من الشرك ، فلا يؤمنون بإله إلا الله عز وجل ، إذ هو تعالى الذي يُقدِّر الأشياء كلها وهو المدبر والمهيمن وحده لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فهو المتصرف في مصائر الخلق ، وَمَنْ هذه صفته هو الإله ، والأولى بالعبادة من كل أحد سواه ، وما دام ربنا هو الذي يملك الموت والحياة فلماذا نخشى غيره ونخضع له ؟ ! لماذا نتبع الطاغوت ؟ ! ولماذا نقلد آباءنا ؟ ! . إنهم ليسوا بآلهة حتى نعبدهم ، إنما هم عباد مثلنا خلقهم الله رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ سواء عبده الآباء أم أشركوا به ، ونحن يجب أن نتخذ هذه الحقيقة مقياسا لتقييم الأجيال وليس العكس ، وذلك لكي لا يؤثر علينا انحراف الآخرين تأثيرا سلبيا . [ 9 ] والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا يضل البشر عن هذه الحقائق ، ويشركون بالله ؟ والإجابة : لأنهم يظنون أن الحياة الدنيا هي نهاية المطاف ، فهي الهدف في اعتقادهم ، وهذا يقودهم إلى الشك في المستقبل حيث الدار الآخرة ، وَمَنْ فَرَّغ حياته من الآخرة فقد أفقدها هدفها ، وجعلها مجرد لعب بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ إن المؤمن لا يتخذ الدنيا دار لعب ولهو ، لأنه يعتقد بالمسؤولية والحساب عن كل قول وفعل يصدر منه ، بل عن كل حديث له مع نفسه ، بينما الذين يشكون في الآخرة يقودهم شكهم إلى النظرة الساذجة والهازلة إلى الحياة الدنيا . [ 10 ] والقرآن يحذِّر هؤلاء من العاقبة التي سوف يلاقونها نتيجة هذه النظرة للحياة ،