ومن طبيعة الحياة أنها تحدٍّ من جانب واستجابة للتحدِّي من جانب آخر ، وهنا يكمن الابتلاء ، وإنما يكتسب الإنسان الخبرة والإرادة والقوة ، كما ينمو وتنمو معه المواهب من خلال تحدي المشاكل والعقبات .
الثاني : الفتن الكبرى التي يتعرض لها الفرد أو المجتمع ، وهي تتجدد في كل عصر ، بيد أن قرار الإنسان فيها يكون مصيريا ، فالفرد الذي ينتمي إلى حركة إصلاحية ، ويتدرج في مراحل التوعية والتنظيم والعمل ، حتى يبلغ مكانا حسَّاسا فيها . إن كل لحظة تمر به من عمره الحركي تُعَدَّ لحظة خطيرة تحمل الفتنة والابتلاء ، ولكنه لا يتعرض للفتنة الكبرى إلا حينما يقع في قبضة السلطات الظالمة ، فيتعرض لألوان التعذيب الوحشي أو الانحراف الخادع ، فإن صمد ولم يكشف لهم عن أسراره كتب خلوده ومجده بألمه ، وربما بدمه .
وصور اجتماعية لهذا النوع من الفتن نجدها في حياة الأمم ، ولكن ليس عند الفتن التي نسمِّيها بالتحديات والتحديات المضادة التي تتعرض لها في اقتصادها وفي سياستها وتركيبتها ، وإنما عند المواجهة الحاسمة ، حين تقف هذه الأمة أمام عدو أقوى منها سلاحا ، وأرقى تقدما ، وأكثر عددا ، فإن صمدت فإنها تكتب مجدها ، وإن انهزمت فإنها تقرر مصيرها .
وكشاهد على هذا اللون من الفتن في التاريخ الفتنة التي تعرض لها موسى عليه السلام وقومه من جهة وفرعون وملؤه وجنده من جهة أخرى ، التي انتهت بفشل هؤلاء الذين لم يرتفعوا إلى مستوى تحدي الكبرياء الكاذبة في أنفسهم ، فانحرفوا وانتهت حضارتهم للأبد .
إذن فالفتن الكبرى مصيرية وحاسمة ، والسؤال هنا : كيف يصمد الإنسان أو المجتمع أمامها ؟ إنه يحتاج إلى إرادة قوية ، وهي لا توجد عند الإنسان في لحظة واحدة ، وإنما بالتدريج والتربية ، فكما أن البحر الطمطام الذي يمتد طولا وعرضا يتكون من القطرات الصغيرة ، وهكذا الصحراء المترامية الأطراف تتكون من ذرات الرمل ، فكذلك إرادة الإنسان تصنع من مجموع إرادات صغيرة ، هو يتمكن من اتخاذ الموقف الصعب إذا مارس المواقف الأقل منه في الحياة .
وكمثال على موقف الإنسان من الفتنة الكبرى واتصال ذلك بمواقفه السابقة دعنا نستعرض قصة رجلين : أحدهما سقط في الفتنة ، بينما انتصر الآخر ، فهذا هو عمرو بن العاص حسبما يقول عنه ابن قتيبة الدينوري في كتابه الإمامة والسياسة : [ لما انتهى إليه كتاب معاوية وهو بفلسطين ، استشار ابنيه عبد الله ومحمدا ، وقال : يا ابني ، إنه قد كان مني في أمر عثمان فلتات لم أستقبلها بعد ، وقد كان من هروبي بنفسي حين ظننت أنه مقتول ما قد احتمله معاوية عني ،
من هدى القرآن — صفحة 96
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٦