وأمثال هذه القصص والحوادث تتكرر بكثرة في حياتنا اليومية ، ونحن نعايشها أو نسمع عنها ، ولكننا لا نبصر ولا نعتبر . وفي هذه السورة تركيز على هذا الوعي ؛ أن في الكون يدا غيبية جبارة تدبر شؤونه . وذلك لا يعني أنها وحدها تفعل كل شيء مباشرة ، وأنه لا نظام في الحياة ، كلا . . إنما النظام موجود ، ولكن هناك أيضا من يجريه ويهيمن عليه فيجريه أو يعطله متى شاء ، وهو الله عز وجل ، فإذا بالنار التي تحرق يتعطل قانونها في قصة إبراهيم عليه السلام ، وإذا بالعصا تصير حية كأنها جان ، وهكذا الكثير من الشواهد الأخرى .
بينات من الآيات :
[ 1 ] حم بالإضافة إلى كون الكلمات المقطعة رموزا وإشارات تهدينا إلى القرآن ذاته ، أو أنها رموز بين الله وأوليائه - وهو أفضل ما قيل فيها - ، فإنها تنسجم بتناغمها وأجراسها اللفظية مع طبيعة السورة ذاتها نفسيا وأدبيا .
[ 2 - 3 ] وفي هذه السورة يقسم ربنا بعد تلك الحروف بالقرآن نفسه ، الذي يتألف منها ومن أشباهها ، للدلالة على مدى عظمته وجلالة قدره وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ هي ليلة القدر في شهر رمضان ، التي عدلت بخيرها وبركتها ألفا من الشهور . . وإنما أنزل الله الكتاب لهداية الناس إلى الحق بترغيبهم فيه وتحذيرهم من عواقب الضلال والباطل .
وقد تساءل المفسرون : كيف نزل القرآن في ليلة القدر وقد تنزلت آياته على امتداد ثلاثة وعشرين عاما ، وقد بيَّن ربنا حكمة تنجيم القرآن بقوله : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [ الفرقان : 32 ] .
قالوا - حسب النصوص - : إنه أنزل جملة واحدة إلى مقام سام في السماء الرابعة جعله الله مسجدا لملائكته حيث يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبدا ، يسمى بالبيت المعمور ، وقد جعل الله الكعبة بإزائه « 1 » .
ومن هنا فللقرآن نزولان : الدفعي والتدريجي على مدى ( 23 ) عاماً ، والنزول الدفعي كان في ليلة القدر أي في شهر رمضان إلى البيت المعمور وعلى قلب النبي صلى الله عليه وآله ولا تنافي بين النزولين ، كما لا تنافي بين النزول الدفعي في شهر رمضان وبدء النزول التدريجي في رجب .
ولأن الرسول كان على علم بما في الملأ الأعلى ( البيت المعمور ) أو أن النزول تم مباشرة ،
هامش
( 1 ) راجع بحار الأنوار ، ج 9 ، ص 237 وما بعدها .