لذلك أمره الله بألا يعجل في بيان القرآن : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [ القيامة : 16 ] .
إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ والإنذار هو هدف القرآن وسائر الرسالات الإلهية ، ذلك أن الأمم تبدأ بالانحراف عن هدى الله حتى تقف على شفا حفرة من النار والعذاب ، فيبعث الله لها بمنذر وكتاب لإنقاذها .
[ 4 - 5 ] وقد شرف الله ليلة القدر بأمرين :
أولًا : حيث أنزل فيها كتابه الكريم الذي بعث به الإنسانية مقاما محمودا أهلهم به لجناته ورضوانه والزلفى من مقامه الأعلى .
وإنما شرف الزمان بما يقع فيه من حوادث عظيمة ، وهل هنالك حادثة أعظم من وحي رب العزة ؟ ! أوَ سَمعت كيف كادت السماوات يتفطرَّن من فوقهن لما مر بهن وحي الله العظيم ؟ ! أوَ مَا قرأت أن القرآن لو أنزل على الجبال لتصدعت ؟ !
حقا إنها ليلة مباركة عظمت وشرفت في السماوات والأرض ، ويحق لنا أن نكرِّمها بالعبادة .
ثانياً : لقد جعل الله ليلة القدر ليلة الوحي في كل عام حيث ينزل فيها ملائكته كل عام والروح من كل أمر ، وحيث يستقبل الأنبياء ومن بعدهم الأوصياء وصيا بعد وصي رسل الله الذين يفصلون لهم ما قدره الله لعباده جميعا .
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ شؤون العباد ليست تماما بأيديهم ، بل لعل أغلبها بيد القدر . . والتفريق - حسب ما قال البعض - هو تفصيل ما أجمله الله في غيب علمه من حكم الخلق وأهدافه .
أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ فالأمر إذن يرسل من عند الله كما القرآن ، أي إن القرآن منهاج عملنا في عالم التشريع ، بينما قدر الله وقضاؤه يرسمان خريطة حياتنا في عالم التكوين ، فكما يقدِّر الله في ليلة القدر ما يتصل بحياتنا جزءاً جزءاً كذلك يرسل الأنبياء ليفصلوا منهاج حياتنا كلمة كلمة .
[ 6 ] وهذا التدبير الإلهي رحمة بالغة رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إن اليد الإلهية التي تسير شؤون الكون يد رحيمة وكريمة ، ومن هنا كانت البصيرة القرآنية إلى الحياة توحي بالاطمئنان والثقة ، فالمسلم الصادق يسلم لله ، وتطمئن نفسه لقدره وقضائه : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد : 28 ] . فهو لا يخشى من الطبيعة والناس من حوله ولا من المشاكل ، لذلك فهو ينفق
من هدى القرآن — صفحة 92
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٢