فينادون : رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ . وهيهات أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقد أنذرهم بما فيه الكفاية : وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ . ويأتيهم الخطاب : إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ولعل هذا العذاب هو العذاب الأدنى ، الذي يأخذهم ليكون نذيراً للعذاب الأكبر . وهذا بدوره من شواهد القيامة ، يَوْمَ نَبْطِشُ - الله - الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى - فيومئذ لا ينفع الاستغفار - إِنَّا مُنتَقِمُونَ ( الآيات : 7 - 16 ) .
ويسوق القرآن قصة فرعون لتكون شاهدة على مجمل هذه البصائر التي سبقت تقدير الله الحكيم : إنذار الرسل ، نزول العذاب ، الجزاء الحسن الذي أتاه بني إسرائيل . وتلك هي فتنة كبرى تعرض لها قوم فرعون فلم يفلحوا حيث جاءهم النبي موسى عليه السلام بالبلاغ المبين ، فلما رجموه بالتهم ، دعا عليهم ، فجاءه النصر ، حيث أغرق الله فرعون وقومه ليتركوا وراءهم ثرواتهم دون أن تذرف السماء عليهم دمعة . أوَليسوا كانوا خاطئين ، حيث زاغوا عن القدر الحكيم ، والصراط المستقيم . تلك هي سنة الجزاء ، ودليل على أن الله خلق كل شيء بالحق ؟ ( الآيات : 17 - 29 ) .
وكذلك فقد نجى الله بني إسرائيل من العذاب المهين ، واختارهم على علم ؛ واستحقاق لديهم على العالمين .
كيف يُترك الإنسان سدىً ، وبلا محاسبة ، وكيف تكون حياته الدنيا خاتمة المطاف ، ولقد أهلك الله قوم تبع ، حيث كانوا مجرمين ، وفي هذا دليل على حكومة الله العادلة على مجريات التاريخ ، كما أنه يكشف عن جانب من عقلانية الخليقة ، وأن الله لم يخلق السماوات الأرض : مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ، وعدم علمهم دليل جهلهم ، لاعدم صحة هذه الحقيقة ( الآيات : 30 - 39 ) .
ويفصل الذكر الحكيم جانباً من جزاء الله في يوم القيامة ، ويقول : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ . في ذلك اليوم لا ينفع الأنداد الذين يشركون بهم ، يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً ، وحتى لو أنهم نصروهم فإنهم لا ينصرون ( الآيات : 40 - 42 ) .
وبعد بيان طعام شجرة الزقوم ، وكيف يقيَّد المجرم إلى عذاب النار ، يعرض الرب لنا جانباً من نعيم الله للمتقين ، ويختم القرآن السورة بأن تيسير الكتاب كان بهدف تذكيرهم ؛ فمنهم من يتذكر ومنهم من ينتظر : فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ( الآيات : 43 - 59 ) .
وهكذا ينذر القرآن عباده بالجزاء الأوفى الذي هو رمز حقانية الخليقة ، وعدالة الله وتقديره الحكيم .
من هدى القرآن — صفحة 88
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٨