إسماعيل لا يفريها ؟ !
الجواب ببساطة : لأن الأنبياء بشر ، والله يغيِّب عنهم ما يشاء من العلم .
وهذا يفسر قوله تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 - 27 ] . فغيب الله له وليس لأحد ، وهو علام الغيوب ، وعنده مفاتح الغيب ، ولا يعلم الغيب إلا هو ، ولكنه يعطي قدرا منه لأنبيائه لحكم معينة .
وهكذا تحل عقدة الغرابة من ابتعاث الرسل ، وتعالج المعضلة التي يتشبث بها الكافرون ، والتي كانوا يعودون إليها كلما بعث إليهم نبي جديد مع أنه سبقه إخوانه في الرسالة .
قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ إن بعض الظواهر الكونية تتكرر كل يوم ، وبعضها كل أسبوع ، وبعضها تتكرر كل سنة ، وبعضها كل قرن ، ومن الظواهر التي تتكرر بين فترة وأخرى الحروب ، فهي إحدى الظواهر الاجتماعية التي تقع عادة بين الحين والآخر ، ونحن نعترف بوجودها بالرغم من غرابتها الشديدة ، لأنها واقعة وتقع في المستقبل .
وهكذا بالنسبة للرسل ، فهم حتما وجزما يُرسَلوُن من قبل الرب ، ما دامت العوامل المؤيدة لإرسالهم متوفرة .
وهنا يأمر الله عزَّ وجلَّ رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله بأن يوضح للناس هذه الحقيقة ، فكونه رسولا مبعوثا من قبل الله ظاهرة متكررة وسنة جارية ، ولا داعي للغرابة . ولكن - من جهة أخرى - ليس علم الرسول من ذاته .
وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ فهو لا يعلم ما يفعل به ولا بهم إلا بقدر ما يشاء الله ، بمعنى أنه لا يدري كل ما يفعل به وبهم إلا في حدود رسالته ، لأن الرسول صلى الله عليه وآله بشر كسائر الناس لا يعلم ماذا سيحدث مستقبلا بذاته بلى ، إن الرسول - مثلا - يعلم أن الناس جميعا سيموتون ونحن كذلك نعلم ذلك ، أما معرفة التفاصيل والاطلاع على دقائق الأمور فإن الله سبحانه يزيده منها بقدر مشيئته الحكيمة .
والرسول - كما يبدو من هذا المقطع من الآية - لا يعلم كل التفاصيل المستقبلية ، وإنما عليه أن يتَّبع الوحي الذي ينزل عليه حسب الحكمة الإلهية .
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وقد ذهب المفسرون مذاهب شتى في تفسير هذه الآية ، ويبدو لي أنها ظاهرة بل صريحة فيما قلناه آنفا ، فإن عدم معرفة الرسول بما يفعل به أو بهم لا يشمل ما يوحى إليه من غيب ، ولا ريب أنه سبحانه أوحى إليه أن له عند ربه مقاما محمودا ، وأن
من هدى القرآن — صفحة 168
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦٨