ويتساءلوا في أنفسهم : كم هي عظيمة رسالات ربهم ، وكم حظهم عاثر لو استخفوا بها أولم ينفذوا كل تعاليمها ؟ حقا : إنه يسقط عنا - نحن المؤمنين - حجاب العادة الذي يمنع إيماننا من التسامي ، كما يسقط عن الآخرين حجاب الاستكبار الذي يمنعهم عن رؤية شواهد صدق الرسالة ، فتراهم - مثلا - يغفلون عن شهادة العلماء بصدق الرسالة ، ولا يسألون أنفسهم : كيف أسلم علماء بني إسرائيل للرسالة الجديدة ، كأمثال عبد الله بن سلام الذي كان معروفا عندهم بالصدق والنزاهة ؟
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ بالرغم من مخالفة الإيمان ظاهرا لمصلحته . أليس يفقد مكانته عند قومه كقائد ، ويصبح جنديا في جيش الإسلام ؟
وَاسْتَكْبَرْتُمْ عن الحق ، فلم تؤمنوا به بالرغم من البينات التي تواترت على صدقه .
بلى ، إن الحجاب الكبير الذي يحجز نور الإيمان عن قلوبهم هو استكبارهم في الأرض ، وظلمهم للناس . أوَلَيس الظلم ظلاما دامسا ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .
[ 11 ] ما الذي يمنع الظالمين من الإيمان بالرسالة ؟ إنه استكبارهم على الناس ، واعتقادهم بتميزهم عنهم ، حتى لو سبق طائفة منهم إلى الإيمان بالرسالة كفروا بها ترفعا عن التساوي معهم ، وقالوا : كيف نسمح لأنفسنا أن نكون عند الناس من اللاحقين ، بينما يسبقنا إلى الرسالة من هم أدنى منا ؟ إذا دعنا نكفر بها خشية العار !
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ لقد كانت القبائل العربية في الجاهلية شديدة الخلاف بينها ، تتعالى على بعضها ، ولا ترضى أن تعترف بأية فضيلة لبعضها ، فإذا آمنت قبيلة كفرت المنافسة لها حتى لا تسجل لخصمها نقطة عليها .
مثلا كانت قبيلة غفار البدوية تُستْصَغَر من قبل قريش ، وتسميها الحلفاء استهانة بها ، فلما أسلم أبو ذر الغفاري وأسلمت معه قبيلته قالت قريش : ) غفار الحلفاء ! ! لو كان هذا خيرا ما سبقونا إليه ( « 1 » . وهكذا كفرت بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع ، وقالوا لمن أسلم من غفار وجهينة ومزينة وخزاعة : لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا إليه رعاة البقر إليهم إذ نحن أعزُّ منهم « 2 » .
كما أن اليهود الذين استوطنوا الجزيرة العربية بزعم انتظارهم للنبي الموعود فيها كفروا
هامش
( 1 ) قال ابن المتوكل أن الآية نزلت فيهم ) تفسير القرطبي : ج 16 ص 189 ) .
( 2 ) قال الكلبي والزجاج وحكي عن ابن عباس أن الآية نزلت فيهم ( تفسير القرطبي : ج 16 ص 190 ) .