إليه ! ثم يتهمون الرسالة بأنها إفك قديم ، لأنهم لم يهتدوا بها .
وفعلا الرسالة ذات امتداد في عمق التاريخ لأنها تصدِّق ما نزل على موسى إماما ورحمة .
ثم يأمر القرآن بالاستقامة على التوحيد ومواجهة البدع وهي ثمن الجنة .
بينات من الآيات :
[ 9 ] للناس في الرسالات والرسل مذاهب ثلاثة :
الأول : النفي المطلق ، وإذ لم يعرف هؤلاء كيف يبعث الله الرسل اتبعوا جهلهم وأهواءهم وأنكروا الرسالة رأسا .
الثاني : إن صلة الرسل بربهم صلة تكوينية ، بمعنى أن الرسل عليهم السلام هم قطعة منفصلة عن الإله ونازلة إلى الدنيا .
وبهذا يزعمون أنهم يحلون المشكلة ويعرفون كيف يتم الاتصال بين الخالق والمخلوق ، إذ إن هذه الصلة كانت قديمة ، وهي أساسا صلة تكوينية ، فكيف يكون واحد منهم يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق ، ويشبههم في كل شيء من حياته ، كيف يكون أعلى وأفضل منهم ؟ ! لا بد أن يكون جنسه مختلفا عن جنسهم ، وذاته غير ذواتهم ، ولا بد أن يكون من أنصاف الآلهة ومن طبيعتها .
الثالث : إن الأنبياء والرسل هم مثل سائر البشر ، ولكن الله تعالى ميزهم بالرسالة ، حيث جعلها فيهم جعلا ، ولو شاء لسلبها منهم ، فهي تشبه المصابيح في الغرفة فإن لم يكن وهاجا لن يحول الغرفة إلى واقع نوراني ، إنما سينعكس النور عليها ما دام الضوء متقدا .
هكذا الرسالة ، فما دام روح القدس مؤيدا للنبي فهو نبي ، فإذا افترضنا - جدلا - أن ربنا أراد - بمشيئته المطلقة - أن يسلب روح القدس منهم فإنهم يصبحون كسائر الناس .
وعلم الرسل هكذا ، ليس علما ذاتيا ، وإنما هو مضاف إليهم من عند الله الذي يهب لهم موجات من المعرفة تلو موجات من العلم بقدر ما شاء ، وإذا أراد أن يسلبها منهم فإنه على ذلك قدير . . ولهذا ينبغي أن لا نذهب بعيدا فيما يتصل بالأنبياء عليهم السلام ، بل نعرف أنهم يعلمون ما يشاء الله ويجهلون ما سوى ذلك ، فكيف لم يكن يعقوب عليه السلام وهو من أنبياء الله العظام يعلم بمكان يوسف عليه السلام ؟ ! وكيف لم يكن إبراهيم عليه السلام يعلم بأن السكين الذي وضعه على أوداج
من هدى القرآن — صفحة 167
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦٧