دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ هكذا هم الشركاء . إنهم لو دعاهم الإنسان إلى يوم القيامة لما استجابوا له ، بل هم غافلون عن دعائه يشغلهم شأنهم الخاص عن شؤون الداعين ، وسواء كان الشركاء الحجرية ، أو الأموات ممن يزعم الشركاء المشركون أنهم شفعاؤهم يوم القيامة ، أو الأصنام البشرية التي تعبد من دون الله ، فإن لكل واحد منهم سببا لغفلته عمن يدعونهم ، أما الأحجار فإنها لا تعي شيئا ، وأما الأموات فهم عند ربهم مجزيون بأعمالهم ، وأما سلاطين الجور والمترفون وأشياعهم فهم لاهون بمصالحهم عن مصالح من يشرك بهم .
[ 6 ] وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ويوم القيامة يكفر المشركون بشركائهم ، ويعادونهم ، ويقولون لهم : أنتم الذين ضيعتمونا ، وأدخلتمونا النار ، وقد قال ربنا سبحانه في آية كريمة يصور لنا العلاقة بين الطرفين يوم القيامة : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ ( 166 ) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا [ البقرة : 166 - 167 ] .
[ 7 ] وأما الرسالة ، فكيف كانوا يتعاملون معها ؟ .
والجواب : إنهم من أجل رفض الأفكار القرآنية السليمة كانوا يلفقِّون تهما ويلصقونها بها وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ إنها واضحة بينة ، حتى لتكاد تكرههم بقبولها ، ولكنهم يصدون عنها بقوة ، ويمنعون عن أنفسهم نورها بإصرار ، كالذي يهرب من الغيث أن يصيبه رذاذه أو الشمس أن تحوطه أشعتها .
قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ حينما يأتيهم الحق يقولون بكل وقاحة : إنه سحر مبين ، لماذا ؟ لأنه يهيمن عليهم ، ولا يدعهم - لاستطالة حجته - يواجهونه بدليل وبرهان . إنهم يقولون : هو سحر ، فيقال لهم : ما هو دليلكم على بطلانه ؟ فيقولون : ليس عندنا دليل ، ولكنه سحر !
هكذا يعادي الإنسان الحق ، حتى إنه يتهم نفسه بفقدان الإرادة والوعي ويقول : أنا أصبحت مسحورا ، كل ذلك ليخلِّص نفسه من مسؤولية الإيمان بالرسالة .
[ 8 ] والبعض الآخر يقول : إنه افتراء على الله ، وإذا كان قولهم أنه سحر دل بوضوح على مدى تأثير الرسالة عليهم وأخذها بمجامع قلوبهم ، وسد الطريق أمام تخرُّصاتهم ، حتى إنهم اعترفوا بقدرتها وبعجزهم عن مقاومتها ، فإن كلمتهم التي زعموا بها أن الرسالة افتراء دلت على أن الرسول لم يكن يدعو الناس إلى نفسه بل إلى ربه ، مما دعاهم إلى اتهامه بأنه مفتر أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ولكن الرسول صلى الله عليه وآله هو أول من كان يعلم بوخامة الافتراء ، وأنه لو افترى
من هدى القرآن — صفحة 164
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦٤