غيره ، أو يتحاكموا إلى قانون بشري ناقص ، كلا . . إن ربنا مليك السماوات والأرض ، ووحيه تجل لحاكميته التامة علينا ، وأي تنكب عن ذلك شقاق وضلال .
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ما معنى العلو ؟ وما معنى العظمة ؟ العلي المرتفع في المكان ، فهل الله موجود في أعلى قمة في الكون ؟ كلا . . تعالى ربنا عن الحلول في مكان ، وهو شاهد حاضر وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، والعظيم في اللغة مشتقة من العظم ، وصاحب العظم الغليظ يسمى عظيما ، فهل لله عظم سبحانه وتعالى ؟ ! .
عند تفسير هذه الألفاظ القرآنية ، وهكذا سائر أسماء الله يجب أن نأخذ الغايات ونترك المبادئ ، ذلك أن لكل لفظة مبدأ يكسبها مدلولا حسيا ماديا ، وغاية تعطيها مدلولا معنويا وقدسيا بالنسبة إلى الله ، فإذا كانت كلمة العلي تدل على علو المكان حسيا ، فهو يشير إلى السيطرة والتمكن ، وربنا عليٌّ بهذا المعنى ، كما أنه عظيم بمعنى القوة والشدة والهيبة . وإنما نستخدم هذه الألفاظ عند الحديث عن الله لسببين :
الأول : عدم وجود ألفاظ بديلة تدلنا على تلك الغايات ، وحيث يريد القرآن تقريب تلك المعاني المطلقة لأذهاننا المحدودة التي عجزت حتى عن الإحاطة بالخلق استخدم هذه الألفاظ .
الثاني : لكي لا ننبهر بمخلوق حاز شيئا من القوة أو الهيبة أو . . أو . . فنعبده من دون الله ، فإذا بنا نخضع لفلان لأنه صاحب ثروة أو قوة أو جمال أو هيبة ، بل نتذكر صاحب الملك والعظمة الحقيقي ، وهو الله عز وجل الذي خلقه من بعد العدم فنسلم له أكثر فأكثر ، وبتعبير آخر لا بد أن ننطلق في تقييمنا للحياة من الإيمان بالله ، لأن كل ما فيها مخلوق له سبحانه ، وإذا اشتمل على شيء من الحسن فهو قبس صغير من أسمائه الحسنى .
[ 5 ] تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ربما يتصور البشر أن أقوى وأكبر شيء في الكون هو السماوات بعلوها وقصور علمه عنها ، حتى إن علماء الفلك كلما أجهدوا أنفسهم في اختراع أنواع المناظر ذات القوة الهائلة اكتشفوا المزيد من الكواكب والمجرات حتى انتهى بعضهم إلى النظرية القائلة بتوسع الكون المستمر . . والقرآن هنا يهدينا إلى هذه السماء التي هي أعظم شيء في نظرنا تكاد تتفطر من خشية الله . ومع أن السماوات جمع مؤنث لغير العاقل ، والذي يناسبها هو كلمة ( تتفطر ) ، نجد الآية هنا تعبر عنها كما لو كانت من ذوي العقول : يَتَفَطَّرْنَ ذلك للدلالة على أنها في مقام العبودية لله والخضوع له شأنها شأن سائر العقلاء ، فهي تخشاه . وكيف لا تتفطر السماوات إذا تجلى الرب لها أو اخترقها وحي الله ، وهي مشفقة من
من هدى القرآن — صفحة 348
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٨