تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
[ 4 ] ويحدثنا ربنا عن نفسه ، في إطار تذكرته برسالته . لماذا ؟ لأن معرفته تعالى هي أساس كل معرفة ، وتسبق في الأولوية الإيمان بكل الحقائق . ومن هذا المنهج يستوحي الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام بصيرته حين يقول : [ أَوَّلُ الدِّين مَعْرفتُهُ ، وَكَمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصدِيقُ بِهِ ، وَكَمالُ التَّصدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ ، وَكَمالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلَاصُ لَهُ ] « 1 » . فمن دون معرفة الله ، وهيمنته على كل شيء وإحاطته به ، وملكه للدنيا والآخرة ، لا يستطيع الإنسان أن يؤمن بالوحي الذي هو سنة إلهية خارقة للمألوف عند البشر ، وليس تكاملا يبلغه الإنسان بعبقرية . ولقد أشارت الآية السابقة إلى اسمي العزيز الحكيم لرب العالمين ، لأن العزة تعني القدرة الفاعلة أو انعكاس القدرة على الخلق ، وهو يستدعي بعث الرسل ليكونوا مظاهر قدرة الله وهيمنته وعزته وحاكميته ، كما قال ربنا عنهم : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ النساء : 64 ] . أما الحكمة فهي انعكاس العلم على الفعل ، ولأن ربنا حكيم فهو لا يترك الناس سدى ، وتتجلى عزة الله في الوحي القرآني الذي يهدينا إلى أسباب القوة ، كما تتجلى حكمته في مناهجه الرشيدة . ثم يشير ربنا هنا إلى حاكمية الرب في السماوات والأرض ، مما تستوجب فطريا حاكميته على الناس بالوحي ، فيقول : لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ومن يشك في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله فهو لم يعرف ربه حقا ، إذ إنه لو عرف عزته وحكمته ومالكيته التي يهيمن بها على الحياة لما شك في وحيه ورسالته ، ذلك أن خالق الكون هو نفسه الذي خلق المنهج الذي يهدينا إلى تسخيره في صالحنا . ولأن السبب في كفر الإنسان بالبعث وبكثير من الحقائق الأخرى التي يهتف بها الوحي ، هو عدم إيمانه بقدرة الله حيث يشك في عودة رميم العظام بشرا سويا ، يؤكد القرآن صفات الله الحسنى فور حديثه عن الوحي أو البعث أو . . أو . . ، ذلك أننا إذا آمنا بقدرة الله وحكمته وعلمه فسوف نؤمن بكل ما يصدر عنه وما يأمر به إيمانا واعيا ، ونعمل به بلا تكلف ، لأننا آنئذ نعرف عظمته . أوليس قد أوحى به العظيم ، وأن فيه صلاحنا ؟ أوليس قد أنزله ربنا الحكيم ونزداد يقينا بصدق أنبائه ، مما يبعث فينا العزيمة والأمل ، ونستعد للدفاع عنه بأموالنا وأنفسنا ، لأنه هبط من عند ربنا القدوس . وهكذا ينبغي أن نسلك إلى معرفة الوحي طريق معرفة الخالق حتى نجعله في مقامه الأسمى ، ولا نقيسه بسائر الكلام أبدا ، ولا نرضى بأن يتخذ البعض مصدر تشريعاتهم من
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة 1 .
من هدى القرآن — صفحة 347 | السيد محمد تقي المدرسي