يقرر قبول توبة أولئك وشفاعة هؤلاء أو لا يقبل حسب مشيئته التي لا يسأل عنها وهم يسألون .
[ 6 ] وعجيب أمر البشر . إنهم لا يستفيدون من واسع رحمة الله ، بل يتخذون الشركاء من دونه ، ويزدادون بعدا عنه كلما توالت نعمه عليهم ! وربنا يتوعد هؤلاء بأنه يكتب كل ما تعمله أيديهم وجوارحهم ليعاقبهم عليه عاجلا أو آجلا . وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ يعتقدون أنهم هم الذين يرزقونهم ، ويمنعون عنهم الأخطار ، ويخطئون لأن الله هو الذي يرعاهم ويحفظهم . اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ يحفظهم برحمته الواسعة التي تشمل العاصي والمطيع ، ويحفظ عليهم كل ما يصدر منهم ، وهم وحدهم يتحملون مسؤولية أعمالهم وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ فما على الرسول إلا البلاغ .
[ 7 ] إنما تتلخص مسؤولية الرسول وكل مصلح في تبليغ رسالته للناس بإيصال صوت الوحي إلى أكبر عدد ممكن منهم . وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً وهذا من رحمة الله ورأفته أن يبعث للناس نذيرا بالوحي من أجل هدايتهم للحق . ونقف قليلا عند عَرَبِيّاً لنتساءل : لماذا يؤكد القرآن في كثير من المواضع على عربيته ؟
والجواب : إنما يؤكد الله على عربية القرآن
أولًا : ليقيم الحجة على الذين كفروا به حينما جاءهم الرسول يتلوه عليهم ، وذلك ببيان أن كفرهم لم يكن لغموض في الوحي فهو بلغتهم . وتعبير عَرَبِيّاً لا يدل على لغة القرآن وحسب بل على وضوحه أيضا ، كما تدل كلمة أعجمي في البلاغة على الغموض .
ثانياً : لأن اللغة الوحيدة التي يمكنها أن تتسع لمعاني القرآن أكثر من غيرها هي اللغة العربية ، بعمقها ومرونتها ، ومن هنا يجب أن نعلم بأن السبيل الأفضل لإيصال معاني القرآن لغير العرب ليس ترجمة القرآن ، لأنها تضيق بمعانيها ، وإنما تعليمهم اللغة العربية أو ترجمة تفسيره على الأقل .
لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وإنما يختار الله عواصم البلدان محلا لتبليغ الرسالة ، لأنها من الناحية الإعلامية أكثر وأشمل تأثيرا ، حيث تُعَدُّ المركز لسائر الناس ، فأي حدث أو حديث يقع فيها يكون خبره أكثر شياعا مما لو وقع في غيرها ، ثم إنها تحتل مركزا سياسيا واجتماعيا مهما بين القرى الأخرى ، ففتح العاصمة يؤدي في الأغلب إلى فتح سائر القرى والمواقع الأخرى ، بالذات إذا كانت كمكة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله مركزا لتجمع القوى الدينية والسياسية والعسكرية والاقتصادية ، التي تسيطر عليها آنذاك قريش ، وتتحكم من خلالها في
من هدى القرآن — صفحة 350
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٠