وتراهم يستغفرون لمن في الأرض وبالذات المؤمنين منهم ، دون أن يقدروا على دفع الضر عنهم ، بلى ؛ استغفارهم ينفع الناس ، فالله هو الغفور الرحيم .
أما الذين اتخذوا من دونه أولياء ويحسبون أنهم ينقذونهم من مسؤولية أعمالهم فهم في ضلال مبين ، إذ إن الله حفيظ عليهم ؛ فهو يحفظ عليهم أعمالهم ، وما أنت عليهم بوكيل ، فهم وحدهم يتحملون مسؤولية أعمالهم وما عليك سوى إبلاغهم الرسالة وإنذارهم بها .
وهكذا أوحى الله إليك القرآن العربي لإنذار أم القرى ومن حولها - ومن ثم العرب جميعا ثم العالمين - إنذارهم جميعا بيوم الجمع حيث الخلائق كلهم قائمون عند ربهم للحساب لا ريب فيه ، وهنالك ينقسم الناس فريقين : أصحاب الجنة ، وأصحاب النار .
كذلك بيَّن القرآن في فاتحة سورة الشورى عظمة الوحي ومقام الرسالة ، وتبعا لها مقام من يبلغها ويجسدها ويحكم باسمها لتكون الرسالة محور المجتمع الذي إليه يردون خلافاتهم ومنه ينطلقون نحو تطلعاتهم .
بينات من الآيات :
[ 1 - 2 ] حم ( 1 ) عسق راجع تفسير الأحرف المقطعة في السور السابقة . ومما ذكر فيها أن الحروف هذه تشير إلى ذات السورة ، أو أنها إشارة إلى أسماء الله الحسنى . أو أنها تشير إلى مفاهيم معينة في السورة وعموما تشير كلمة كذلك إلى هذه الأحرف ، وكأنه يقال : هكذا الوحي من خلال هذه الأحرف ، وما تشير إليه من معاني عظيمة .
[ 3 ] كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مهما اختلفت الأمم الذين تتنزل عليهم الرسالات الإلهية أو تفاوتت سمات الذين يبلغونها فإنها تشترك في منهجها وأهدافها ، كما تلتقي على نقطة مركزية واحدة وهي أنها كلها من عند الله ، وليست من صناعة البشر حتى تتأثر بطبائعه أو ميزات بيئته أو متغيرات حياته .
والرسالة الإسلامية تأتي ضمن سلسلة متكاملة من الرسالات ، فهي تكمل المسيرة المتصاعدة للبشرية المستجيبة لربها ، وهي كأية سنة إلهية لا بد من التصديق بها حينما تتكرر ضمن إطار محدد ، وهي بالتالي مفروضة على الناس ، لأن الذي أوحى بها هو الله العزيز المطلق في قوته مما يجعل وحيه نافذا شاء الناس أم رفضوا ذلك ، والحكيم الذي أتقن الرسالة فجعلها مرآة أهداف الحياة وسنن الخليقة .
من هدى القرآن — صفحة 346
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٦