شبه الجزيرة .
وتدل الآية على أن الرسالة الإلهية كانت ذات أمواج متلاحقة ، فقد افتتحت بأمر الرسول بالقراءة : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق : 1 ] ؛
ثم أمرته بإنذار الأقربين : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [ الشعراء : 214 ] ؛
وتوسعت إلى قومه صلى الله عليه وآله بقوله سبحانه : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] ؛
وتواصلت حتى شملت العالمين فقال ربنا سبحانه : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] .
ومع أن الرسالة كانت منذ البدء عالمية إلا أنها كانت واقعية أيضا تسعى نحو العالم عبر موجات متلاحقة بين الناس ، الأقرب فالأقرب ، وأحق الناس بها وبحمل مسؤولياتها الرسول وأهل بيته الذين نزلت في بيوتهم وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ وفي الأثناء لا بد للرسالي بأن يستوعب الحياة بواقعياتها ، فلا ينتظر من الناس أن يؤمنوا جميعهم برسالته ، فإذا ما كفروا بخع نفسه ، وشكك في جهوده ورسالته ، فذلك من طبيعة البشر ، إنهم بالتالي ينقسمون إلى مؤمنين وكافرين فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وهم الذين يؤمنون بالرسالة ، ويعملون بمضامينها . وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وهم الكافرون والعاصون .
وفي هذه الجملة فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ إشارة إلى الخلاف البشري الذي يقسمهم إلى خطين : خط الحق ، وخط الباطل . . وسوف تبين الآيات القادمة هذه النقطة ، وتميزها عن الاختلاف في الرؤى ووجهات النظر بين أهل الحق أنفسهم ، الذي يجب ألا يبلغ حد الصراع بينهم .
من هدى القرآن — صفحة 351
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥١