الساعة ، منتظرة لأمر الله لطويها كطي السجل للكتب ، ولا تزال زجرات ملائكة الله تلاحق الأجرام السابحة فيها ألا تحيد عن أمر ربها قيد شعرة .
أعرفتم ماذا يعني وحي الله ، وما هي عظمة رسالات الله ، وأي مقام كريم ينبغي أن نجعلها فيه ؟ .
سبحانك اللهم افتق عقولنا بنورك حتى نعرف قدر وحيك ، ولا نخسر الدنيا والآخرة بالإعراض عنه أو الاستهانة بأحكامه . . وقال المفسرون : إن تفطرُّ السماوات بسبب هبوط الوحي عبرها ، كما قال ربنا : لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ الحشر : 21 ] . وقال بعضهم : بل بسبب صعود أنباء شرك الناس من خلالها ، كما قال ربنا : تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً [ مريم : 90 - 91 ] . ويبدو لي أن الأهم من كل ذلك عظمة الله وخشية عقابه ، فهي التي تكاد السماوات يتفطرن منها ، وتسبح بحمده وتعبده ، وإن كنا لا نرى ذلك أو نسمعه .
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم القوى العاقلة التي تشرف على جميع الأجرام السماوية والأنظمة والسنن الكونية تراهم يخشعون أمام جبروت الله وعزته ، ويقدسونه وينزهونه عما لا يليق به ، ويتم التسبيح بما أعطاهم الله من نعمة الهداية ومن التوفيق للتسبيح ، ولعل هذا أحد معاني ( بحمده ) فإن معرفة الله لا تكون إلا بذاته ، وكمال معرفته تنزيهه عن الشريك والشبيه ، وهو معنى التسبيح الذي لا يبلغه العبد إلا بحمد الله ، أي بما يوجب الحمد من نعم الرب ، وتوفيقه ، ويعطي هذا التركيب بِحَمْدِ معنى المقارنة أيضا ، لأن ربنا تعالى هو كما جاء في الدعاء :
[ يَا مَنْ هُوَ فِي شَرَفِهِ عَزْيزٌ ، يَا مَنْ هُوَ فِي عِزِّه عَظِيمٌ ، يَا مَنْ هُوَ فِي عَظَمَتِهِ مَجِيدٌ ، يَا مَنْ هُوَ فِي مَجدِهِ حَمِيدٌ ]
« 1 » .
فهو في عين علو مقامه وقدسه ومجده وغناه حميد له الحمد كله والمحامد جميعا ، لأنه تعالى شأنه لم يترك الخلق وشأنهم بل تعهدهم بفواضل نعمائه وسوابغ آلائه ، فكان له الحمد كما كان له المجد . يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ هذه علاقتهم بالله ، أما علاقتهم بمن في الأرض فهي الاستغفار لهم عند الرب حيث ترى الملائكة أن سكان الأرض لا يقدرون الله حق قدره بما يعصون ويذنبون . وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ إيمانا منهم بسعة رحمة الله . أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ولو لم يكن كذلك لما ترك على وجه الأرض من دابة بما عصوا الله ، ولعل الآية تبيِّن حقيقة مهمة هي أن الله هو الذي يغفر ويرحم من يشاء ومتى أراد ، وخطأ الاعتقاد بألوهية الملائكة أو أنها أنصاف آلهة ، بينما لا يعدو دورها الاستغفار للمؤمنين عند ربهم الذي
هامش
( 1 ) البلد الأمين : ص 405 ، من دعاء الجوشن الكبير .